بل بين لنا التاريخ أن كل أمة نهضت نهضة جبارة، وكل حضارة ازدهرت وحققت السعادة، فإنما هو لتمسك أفرادها بكريم الأخلاق وطيب الخلال.
…أمة الأخلاق:
إن المسلمين الأوائل فتحوا بلادًا إسلامية لم تتحرك إليها جيوش، ولم تزلزل بها عروش، ولم تقم بها تروس، ولم يرفع فيها سيف ولا رمح، بل تجار صالحون بأخلاقهم حققوا الفتح، فكان فتحًا خلقيًا، ذهبوا يتعاملون بالدرهم والدينار، فحقق الله لهم بأخلاقهم الانتصار، بأخلاق أدهشت العقول والأفكار، وسلوك حسن لفت الأنظار.
أيها المسلمون:
إن الخلق الحسن أجمل شيء يتحلى به الإنسان، وهو أثقل شيء يوضع في الميزان، وإن مجاله واسع، وشعبه كثيرة، فمن أبرزها أن يكون المرء واسع الصدر، رحيم القلب، زكي النفس، قوي الإرادة، جميل الصبر، حميد المعاشرة، صدوق اللسان، مخلص الجنان، كامل الرجولة، كثير الحياء، حسن الرجاء، سمح المعاملة، حلو المعاشرة، طلق الوجه، بسامًا فليحًا، برًا رحيمًا، عفًا كريمًا، وقورًا حليمًا، هينًا لينًا، سهلًا قريبًا، لا فاحشًا ولا متفحشًا، لا سبابًا ولا لعانًا، لا نمامًا ولا مغتابًا، لا حسودًا ولا حقودًا، لا بخيلًا ولا كذوبًا ولا ظلومًا، يحب في الله، ويبغض في الله، يرضى لله ويغضب لله، ولقد جمع هذه المعاني بعبارة موجزة، وكلمة جزلة، الإمام عبدالله بن المبارك - فيما يرويه الترمذي في سننه - فقال:"حسن الخلق: طلاقة الوجه وبذل المعروف وكف الأذى".
أيها المسلم الكريم:
اقرأ سير العظماء, وتصفح تاريخ النبلاء، لن تجد أعظم من خاتم الأنبياء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فلقد كان أحسن الناس خلقًا، فأحبته القلوب، وهابته النفوس، واجتمعت عليه الأفئدة،"وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ" (القلم: 4) .