إن الذين يتحلون بفضيلة المراقبة هم خيار العباد من العقلاء، وصفوة الناس من الأتقياء، وأرباب البصائر الذين يعلمون أن الله تعالى لهم بالمرصاد، وأنهم سيناقشون في الحساب ويطالبون بمثاقيل الذرة من الخطرات واللحظات {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7, 8] فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسبه غيره خف يوم القيامة حسابه وحضر له عند السؤال جوابه، وحسن منقلبه ومآبه، ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته، وطالت في ساحة القيامة وقفاته، وقادته إلى العقاب سيئاته. [المصدر السابق] .
أيها المسلمون:
إن صفة المراقبة لله تعالى لا تتجلى في صاحبها في يوم وليلة، بل هي تنمو وتزدهر بطول المجاهرة، وتكرار المحاولة، وقوة العزيمة في حمل النفس على ما يزكيها ويطهرها وهذا يقتضي أن المسلم إذا هم بأن يعمل عملًا يتأكد أولًا من الدافع الذي يدفعه إلى هذا العمل: أيعمله لوجه الله؟ أم يعمله لشهوته وهواه؟ ثم يتأكد من توافر الإخلاص في أدائه.
أيها المسلمون:
إذا تحققت عند المسلم فضيلة المراقبة حرص على أداء حقوق الله وحقوق العباد بإتقان وإحسان، وما أحوج المجتمع إلى هذه الفضيلة لأن انعدامها في نفس الإنسان يجعله شبيهًا بالحيوان، يرتع ليتمتع، ويجمع لينتفع، ويسطو على حقوق غيره، وينتهك حرمات سواه، ويسئ استخدام حقوق نفسه، وبذلك تفشو الرذائل، وتقل الفضائل، ويتعامل الناس بشرعة الغاب دون ارعواء أو حساب، أما لو كان الإنسان مراقبًا لربه لكان أمينًا على الأعراض لا يدنو منها، بل يعتصم بإيمان وبرهان من ربه ووازع من دينه ويقول {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62] ويقول: {مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [يوسف: 23]