لقد كتب الله عز وجل لهذه الأمة الخالدة البقاء والتمكين لا محالة ، كيف لا يكون ذلك وهي خير الأمم ، وذلك بشهادة الله عز وجل لها ، قال جل شأنه:"كنتم خير أمة أخرجت للناس [ آل عمران 110 ] ، وقد اصطفاها لتكون لها القيادة والسيادة لهذه الدنيا ، غير أنه سبحانه ، ربط ذلك بشروط إن أتت به كتب لها النصر والتمكين والعز والمجد إلى يوم الدين ."
ذلك أن النصر والمجد الذي شرف الله تعالى به هذه الأمة ، واختارها من دون الأمم الأخرى لتقود العالم اجمع ، مشروط بإتيانها مقومات ومؤهلات لتؤهلها لذلك .
والله جل شأنه اختارها لعلمه بقدرتها على الإتيان بهذه المقومات .
وهو كذلك - أعني سعيها لتوفير هذه المقومات- تكليف عليها … لأنها مسؤولية عظيمة ومهمة جسيمة تحتاج إلى بذل وعطاء وتضحية بسخاء .. لكي تؤدي هذه الأمة ما أسند إليها من تلك المهمة
فهذا هو الشرف الذي حظيتم به أنتم أيها المؤمنون الموحدون من دون سائر الناس وتلك هي المسؤولية التي ترتبت على ذلك التشريف .
والتاريخ شاهد صدق على أن هذه الأمة ، تختزن في كيانها ، كل مقومات المجد والنصر وقيادة البشرية للهدى ، وليرجع الواحد منا بذاكرته عبر التاريخ ، ثم لينظر ويتأمل فيما فعله آباؤنا وأجدانا في سابق العصور وما قدموا لهذه الدنيا على مر الدهور .
لقد أخرجوا الناس من ظلمات الكفر والشرك إلى نور التوحيد ، نشروا دين الله وفتحوا البلاد وقلوب العباد .
أخضعوا الدنيا لحكم الله وشريعته ومنهاجه الحق ، فدحروا بذلك ظلمات الجاهلية ، وشيعة الشيطان ، وقدموا دماءهم رخيصة في سبيل نشر دين الله في أنحاء المعمورة ، ثم نشروا العدل بين الناس قبل أن يدخلوا بلادهم ، فرحبت بهم تلك البلاد المفتوحة ، ودخلت في دينهم حبًا فيه .
ورفعوا راية العلم ، فجاوزا كل الأمم في علومهم ، حتى تعلمت كل الحضارات منهم ، وأصبحت تنهل من هذه الأمة المجيدة كل المعارف النافعة .