الحمد لله الذي من علينا بالإسلام والإيمان، وتفضل علينا ببيان الشرائع والأحكام، وأحل الحلال وحرم الحرام، أحمده على نعمه الكاملة في كل آن، وأشكره على آلائه الشاملة لكل إنس وجان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، نهى العباد عن الإضرار بالأبدان، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله آخر الأنبياء زمانا وأولهم بحسب الشان، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الأطهار.
أما بعد:
فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله فهي التجارة التي لا تبور، وأحثكم على مراقبته، فإنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فشمروا لطاعاته، واحذروا التواني والقصور، وإياكم والمحارم فإنها حمى الله، وهو عند انتهاك محارمه غيور، وحاذروا هذه الدنيا فإنها متاع الغرور.
يا من أسا فيما مضى ثم اعترف كن محسنا فيما بقي تلق الشرف
واسمع كلام الله في تنزيله (إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف)
معاشر الأحباب:
لقد أنعم الله سبحانه عليكم بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، كما قال تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} (النحل: 18) ومن أعظم هذه النعم نعمة الصحة، فإنها رأس مال الإنسان، يقضي بها حياته في راحة وسعادة ولا يعرف قيمتها إلا من فقدها، أخرج البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ". فالصحة في الأبدان نعمة عظيمة، وهي كما قيل: تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضي، فعن وهب بن منبه قال: مكتوب في حكمة آل داود: (العافية: الملك الخفي) وهذه النعمة يا عبد الله تسأل عن شكرها يوم القيامة، وتطالب بها، كما قال تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} (التكاثر: 8) . قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، النعيم: صحة الأبدان والأسماع والأبصار يسأل الله العباد فيم استعملوها، وهو أعلم بذلك منهم.