عباد الله: إن الوقت ليس كالدرهم والدينار, إذ أنه إذا فُقِد فلا يعوض, بل هو محدود ومنقضٍ لا محالة.
يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله - وهو يتحدث عن الغيرة وشمولها لكثير من الأمور, فذكر منها الغَيرة على الوقت, فقال:"الغَيرة على وقت فات, وهي غيرة قاتلة؛ فإن الوقت وحِيُّ التقضي (أي سريع الانقضاء) , أبِيُّ الجانب, بطيء الرجوع".
ثم قال:"ومعنى أنها غيرة قاتلة: أي أنّ أثرها يشبه القتل؛ لأن حسرة الوقت قاتلة, ولا سيما إذا عَلِمَ المتحسر أنه لا سبيل إلى الاستدراك, وأيضًا فالغيرة على التفويت تفويتٌ آخَر, كما يقال: الاشتغال بالندم على الوقت الضائع تضييع للوقت الحاضر, ولذلك يقال: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك."
فالوقت منقضٍ بذاته, منصرم بنفسه, فمن غفل عن نفسه تصرّمت أوقاتُه, وعَظُم فواتُه, واشتدت حسراتُه, فكيف حاله إذا علم عند تحقق الفوت مقدار ما أضاع, وطلبَ الرجعى فحيل بينه وبين الاسترجاع! وطَلب تناول الفائت وكيف يُرد الأمسُ في اليوم الجديد؟! (وأنى لهم التناوش من مكان بعيد) ؟! ومُنع مما يحبه ويرتضيه, وعَلم أن ما اقتناه ليس مما ينبغي للعاقل أن يقتنيه, وحيل بينه وبين ما يشتهيه.
فيا حسراتٍ ما إلى ردِّ مثلها سبيل, ولو رُدت لهان التحسر"انتهى كلامُ ابن القيم رحمه الله."
وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتَك قبل موتك, وصحتَك قبل سقمك, وفراغَك قبل شغلك, وشبابَك قبل هرمك, وغناك قبل فقرك"أخرجه الحاكم.
وما أحسن ما قاله الوزير يحيى بنُ هُبيرةَ رحمه الله:
والوقت أنفَسُ ما عُنِيت بحفظه وأراه أسهلَ ما عليك يضيعُ