فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 2086

فاستقبل الآن النظر في نفسك، والتبصر في مبدأ خلقك، كيف أخرج البارئ الخالق؛ من بين الصلب والترائب الماء الدافق، وهو نطفة من ماء مهين، ثم جمعها في الرحم في قرار مكين، ثم صرّف تلك النطفة طورًا بعد طورٍ وطبقًا بعد طبق، حتى كمل في الظلمات الخلق.

ثم تأمل كيف انقلبت تلك النطفة الضعيفة المهينة؛ إلى العظام الصلبة المتينة، فجعل الله تعالى منها الرأس وهو أشرف الأعضاء، وصانه بأنواع من الصيانات التي تدفع عنه الآفات والأدواء.

وشق فيه البصر والسمع، وربطهما بالقلب ليعقل بهما خطاب الشرع، ولهذا يقرن الله سبحانه بينها كثيرًا في الكتاب، كما قال في خطابه لأولي الألباب، { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا } [الإسراء: 36] .

وتأمل كيف حفظ الرب تعالى للإنسان حاسة السمع والبصر والكلام، من مؤذيات الدواب والهوام، فجعل داخل منفذ السمع مرًا قاتلًا غير مستساغ؛ لئلا تلج فيها دابة مؤذية فتخلص إلى الدماغ، وجعل داخل بابي البصر مادة مالحة الطعم؛ لئلا تذيب الحرارة الدائمة ما هنالك من الشحم، وجعل داخل باب الطعام والشراب حلوَ اللُّعاب؛ ليسيغ به ما يأكله ويشربه فلا يتنغص به الطعام والشراب.

ثم تأمل شكل الأنف وخلقته، وكيف نصبه سبحانه في وسط الوجه، وفتح فيه منفذين، ليستغني عن فتح فمه أبدًا بالمنخرين، وجعل بينهما حاجزًا حتى كأنهما في حكم الأنفين، فيكونان بمنزلة العينين والأذنين واليدين والرجلين.

وتأمل منفعة النَفَس الذي لو قطع عن الإنسان لهلك، وهو أربعة وعشرون ألف نفس في اليوم والليلة، قِسْط كل ساعة ألف نَفَس، وقد أحصى الرب تبارك وتعالى عدد هذه الأنفاس؛ كما أحصى أعمال الناس، فوا أسفا لمن أضاع نَفَسَهُ في الإعراض عن الطاعة؛ وأسرف على نفسه في التفريط والإضاعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت