ولو تأملت صدر الإنسان: لرأيته معدن العلم والحلم والرشاد؛ ومجمع أضدادها من الجهل والسفه والفساد، فسبحان من ملأ صدور أوليائه بالبر والخير والعلم والإحسان، كما مُلئت صدور أعدائه بالفجور والشرور والجهالات والكفران.
ثم اُنفذ ببصيرة اللب؛ من ساحة الصدر إلى مشاهدة القلب، لتبصر ملِكًا عظيمًا جالسًا على سرير مملكته، والجند كلهم في خدمته، يستخدمهم استخدام الملوك للعبيد والراعي لرعيته، قد حُفَّت بالقلب الأعضاء؛ كما حفَّ بالملك الأمراء والوزراء والسفراء، فإن استقام استقاموا، وإن زاغ زاغوا، ويكفى هذا القلب رتبة عليّة؛ ودرجة سَنِيّة: أنه محل نظر رب البرية، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وأشار بأصابعه إلى صدره" [ أخرجه مسلم ] .
يا عبد الله؛ هل تفكرت في نفسك؟ وهل تبصرت في خلقك؟ يوم نخسك الشيطان؛ معلنًا يوم خروجك الحرب عليك والعدوان، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان، فيستهل صارخًا من نخسة الشيطان، إلا ابن مريم وأمه".
قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: { وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } [آل عمران: 36] [ أخرجه مسلم ] .
فكيف تعادي ربك ووليك الذي حفظك تسعة أشهر في بطن أمك؛ وتوالي عدوك وعدو أبيك وأمك؟ وربك يتلطف لك بالخطاب؛ ويتودد إليك بالعتاب، ويقول لك في محكم الكتاب: { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا } [الكهف: 50] .