فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله عز وجل، فان تقواه عليها المعول، واستمسكوا بما كان عليه الصدر الأول، { الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا } [الأحزاب:39] .
المتقون هم الملوك وإن أبوا رغد الحياة ولينها فتقشفوا
عكفوا على آي الكتاب فأفلحوا والجاهلون على المآثم عكف
عباد الله:
…إن في تاريخ العظماء لخبرا، وإن في سير العلماء لعبرا، وإن في أحوال النبلاء لمدكرا، وأمتنا الإسلامية أمة أمجاد وحضارة، وتاريخ وعز وأصالة، وقد ازدان سجلها الحافل عبر التاريخ بكوكبة من الأئمة العظام، والعلماء الأفذاذ الكرام، وهم من منة الله على أمة الإسلام، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون به أهل العمى، ويرشدون من ضل منهم إلى الهدى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، يقتبسون من نور الوحي، ويسيرون على مشكاة النبوة، فكم نفع الله بهم البلاد، وكم هدى بهم العباد.
وإن من أجل هؤلاء الأئمة، وأفضل هؤلاء العلماء، إمام فذ، وعالم جهبذ، قل أن يجود الزمان بمثله، إنه الإمام محمد بن إدريس الشافعي- رحمه الله -، هو من عرفته الدنيا، وذاع ذكره، وشاع صيته في الآفاق، إماما عالما، فقيها محدثا، مجاهدا صابرا، لا يخاف في الله لومه لائم، قال عنه الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله -:"كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن، فهل ترى لهذين من خلف، أو عنهما من عوض"، وقال الحميدي ـ رحمه الله ـ:"سيد علماء زمانه الشافعي".
معاشر المسلمين:
على ثرى غزة ولد الإمام الشافعي - رحمه الله - في آ خر يوم من رجب سنة خمسين ومائه، وهو العام الذي قبض فيه الإمام أبو حنيفة، ولله در القائل:
نجوم سماء كلما غار كوكب بدا كوكب تأوي إليه كواكبه