ومن أصل عربي شريف انحدر نسبه، فهو المطلبي القرشي، وبعبد مناف التقى نسبه مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعلى عصامية اليتم ترعرع ودرج في صباه، مما ساعد على سمو نفسه، وعلو همته، وتعرفه على أحوال مجتمعه، ثم لحرص أمه على هذا النسب الشريف لئلا يضيع، هاجرت به إلى موطن أبيه وأجداده إلى مكة حيث مهبط الوحي ومنبع الرسالة، ومهوى أفئدة المسلمين، ومجمع الأئمة المهديين.
وفي مكة حيث الطواف حول الكعبة، والحلق مبثوثه في كل جهة، فتح الشافعي بصره وبصيرته، فأخذت تعلو همته، وتقوى عزيمته، ولم يمنعه قله ذات اليد، من ارتقاء سلم العلم والمجد، يقول الشافعي - رحمه الله - عن نفسه:"كنت يتيما في حجر أمي، ولم يكن معها ما تعطي المعلم، وكان المعلم قد رضي مني أن أخلفه إذا قام"، وهذا إن دل فإنما يدل على رجاحة عقله وشدة نباهته، وحسن خلقه وقوة حافظته، يقول عن نفسه:"كنت في الكتاب أسمع المعلم يلقن الصبي الآية فاحفظها أنا، ولقد كان المعلم يملي على طلابه، فما أن يفرغ من الإملاء إلا وقد حفظت جميع ما أملى، فقال لي ذات يوم: لا يحل أن آخذ منك شيئا"، ثم بعد أن وفقه الله لحفظ كتابه، راح يجمع سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وآثار أصحابه، لكنه لم يكن يملك ثمن الورق والمحبرة، ليدون ما يتفوه به الأئمة الخيرة، فماذا عساه أن يصنع؟ يقول - رحمه الله - عن نفسه:"ثم لما خرجت من الكتاب كنت أتلقط الخزف والجلود وأصول سعف النخل وأكتاف الجمال،أكتب فيها الحديث، حتى كانت لأمي جرة، فملأتها أكتافا وخزفا وجلودا مملوءة حديثا".
أمة العلم والعمل: