فهرس الكتاب

الصفحة 425 من 2086

وعلى هذا النهج القويم، من الإقبال على البر الرحيم، والرباط والتأليف والتعليم، ودعوة الخلق بالحسنى والأسلوب الحكيم، قضى الشافعي أوقاته وأيام عمره، حتى وافته المنية بمصر والتي كانت آخر مستقره، وذلك لمرض ألم به، دخل عليه تلميذه المزني في الليلة التي قبض فيها فقال له: كيف أصبحت؟ فقال:"أصبحت من الدنيا راحلا، وللإخوان مفارقا، ولكأس المنية شاربا، وعلى الله جل ذكره واردا، ولا والله ما أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنئها، أو إلى النار فأعزيها"، ثم بكى وأنشأ يقول:

ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي…جعلت الرجا مني لعفوك سلما

تعاظمني ذنبي فلما قرنته…بعفوك ربي كان عفوك أعظما

ومازلت ذا عفو عن الذنب لم تزل…تجود وتعفو منة وتكرما

ثم توفي الإمام ليلة الجمعة بعد العشاء الآخرة، آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين من الهجرة، وهو ابن أربع وخمسين سنة، رحل هذا الإمام، مخلفا وراءه تلاميذه العظام، وهم في الحقيقة أئمة كرام، كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه والمزني والقاسم بن سلام، أورث الأمة تراثا علميا، ومذهبا فقهيا، فعليه من الله واسع الرحمات، وأسكنه المولى فسيح الجنات، جزاء ما علم وجاهد ونصح.

بارك الله لي ولكم في الوحيين، ونفعني وإياكم بهدي سيد الثقلين، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه أنه، خير الغافرين.

الخطبة الثانية

الحمد لله القائل: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) ، جعل العلماء في الفضل بعد الأنبياء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المتفرد بالعزة والبقاء، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد الأصفياء، وخاتم الرسل والأنبياء، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أولي الفضل والوفاء، صلاة وسلاما تامين دائمين متعاقبين ما تعاقب الصباح والمساء.

أما بعد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت