ولم يكن هذا الإمام الهمام، بمعزل عن العبادة وأخلاق الكرام، فحين أراد الرحيل إلى مصر، قال له بعض معاصريه: إذا أردت أن تسكن مصر فليكن لك قوت سنة، ومجلس من السلطان تتعزز به فقال له الشافعي:"من لم تعزه التقوى فلا عز له، ولقد ولدت بغزة، وربيت بالحجاز، وما عندنا قوت ليلة، وما بتنا جياعا قط"، ويقول بعض تلامذته"بت مع الشافعي ثمانين ليلة، وكان يصلي نحو ثلث الليل، وكان لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله لنفسه وللمؤمنين وللمؤمنات، ولا يمر بآية عذاب إلا تعوذ بالله وسأل الله النجاة لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات"، وكان الشافعي ـ رحمه الله ـ قد قسم ليله: يصلي ثلثا ويكتب ثلثا وينام ثلثا، وقدم مرة من أحد الأسفار ومعه عشرون ألف دينار ففرقها كلها على المحتاجين والفقراء، وهذه- وإيم الله- أخلاق العلماء، وأمثلة حية لتربية النفس على السخاء، وهو القائل عن نفسه:
يالهف نفسي على مال أفرقه…على المقلين من أهل المروآت
إن اعتذاري إلى من جاء يسألني…ما ليس عندي لمن إحدى المصيبات
ولقد توج الإمام معالي الأمور، برباطه على الثغور، فكان من الأئمة القلائل، من الذين جمعوا بين العلم والعمل، يقول الربيع:"خرجت مع الشافعي من الفسطاط إلى الإسكندرية مرابطا، فكان يصلي الصلوات الخمس في المسجد الجامع، ثم يصير إلى المحرس، فيستقبل البحر بوجهه، وهو جالس يقرأ القرآن، حتى أحصيت عليه في يوم وليلة ستين ختمه في شهر رمضان".
أتباع سيد المرسلين: