… ما أعظم ديننا الكريم, وما أجمل ما فيه من الأحكام؛ ولا غرو في ذلك ولا عجب, فإنه من الخالق اللطيف الخبير, سبحانه وتعالى, تقدست أسماؤه, وجلت صفاته, فلقد جعل الإسلام للوالدَين مكانةً عظيمةً كريمة, إذ جعل حقهما بعد حق توحيد الرب سبحانه وتعالى, فقال عز من قائل: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [الإسراء:23, 24] .
…فتأملوا معاشر المسلمين هذه الآيات العظمى, التي يبين لنا فيها ربنا جل جلاله: كيف نتعامل مع أقرب الناس لنا, مَن كانا سببًا في وجودنا في هذه الدار بعد الله عز وجل, وإنما نبهنا سبحانه وتعالى إلى حالة كبرهما, لأنهما يكونان فيها أحوجَ إلينا, ولأن الصبر قد يقل عندها, فيحرم على المرء في هذه الحالة وفي حال قوتهما كذلك: أن يقول لهما هذه الكلمة القصيرة في الحروف, الكبيرة السيئة في المعنى, وهي كلمة"أفٍّ".
وأما ما زاد عليها من الشتم أو الضرب - والعياذ بالله - فهذا محض العقوق والخذلان, واستحقاقِ السخط والعقوبة من الجبار المنتقم سبحانه, بل المطلوب من الأولاد أن يقولوا القول الكريم الجميل الذي يدخل السرور إلى قلوبهم, وأن يلاقوهم بالابتسامة والترحيب, فضلًا عن تقبيل رؤوسهم وأيديهم, وقضاء حوائجهم ولو كان على حساب حاجات أنفسهم. قال أبو هريرة - رضي الله عنه-: لا تَمشِ بين يدي أبيك, ولكن امش خلفه أو إلى جانبه, ولا تَدَعْ أحدًا يحول بينك وبينه, ولا تَمش فوق إِجّار أبيك ( أي فوق سطحه ) تُخِفْه, ولا تأكل عَرْقًا ( وهو العظم فيه اللحم ) قد نظر أبوك إليه لعله قد اشتهاه.