بل بلغ به الأمر، إلى العفو عمن ظلمه من ولاة الأمر، قال الخرقي - رحمه الله:"بت مع أحمد بن حنبل ليلة، فلم أره ينام إلا يبكي، إلى أن أصبح، فقلت: أبا عبد الله، كثر بكاؤك الليلة، فما السبب ؟ فقال لي: ذكرت ضرب المعتصم إياي، ومرَّ بي في الدرس: { وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } [الشورى:40] ، فسجدت وأحللته من ضربي في السجود".
أضحى ابن حنبل محنة مأمونة وبحب أحمد يعرف المتنسك
وإذا رأيت لأحمد متنقصًا فاعلم بأن ستوره ستهتك
بارك الله لي ولكم في الفرقان والذكر الحكيم، ووفقنا للاعتصام به وبما كان عليه النبيُّ الكريم؛ من الخلق العظيم، والهدي القويم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله الغفورَ الحليم، لي ولكم من كل ذنب فتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ الذي أكرمَ بالإسلامِ أولياءَه، وشرَّف بالإيمانِ أصفياءَه، وأقام بالميزانِ والعدلِ أرضَه وسماءَه، أحمدُ ربِّي حمدًا كثيرًا طيبًا مُباركًا فيهِ يُكافئِ نَعماءَه، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ شهادةً أدَّخِرُها ليومِ لقائِه، وأشهدُ أنَّ نبينَا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه خاتم رسلِ اللهِ وأنبيائِه، - صلى الله عليه وسلم - وعلى آلهِ وأزواجِهِ وأصحابِهِ الذين اصطفاهم اللهُ لنصرةِ نبيِّهِ واقتفائِهِ.
أما بعد:
فاتقوا الله معشر المؤمنين، فتقوى الله خير زاد يلحقكم بركب الصالحين، ويجعل لكم لسان صدق في الآخرين. وهذه شذرة ذهب، من سيرة من غبر وذهب، تثبت تقلب الفؤاد، وتهدي لسبيل الرشاد، وقد ترجَّل الإمام أحمد - رحمه الله - عن منصب الإمامة، وانتقل من هذه الدار إلى أول منازل القيامة: في يوم الجمعة؛ لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، سنة إحدى وأربعين ومئتين، وهو ابن سبع وسبعين سنة.