…وَربَّما حملَ على التفضيلِ حُبُّ إِحدَى الزوجتينِ، فُيغدِقُ على أولادِهَا ويَحجبُ الآخرينَ، وربَّما حَرَمَ البناتِ، لأنَّ الذكورَ ذَوُوا التزاماتٍ، وحتى لا يذهبَ مالُه لأزواجِهِن، ويمتلِكَ أولادُ غيرِهِ بزعْمِه مِيراثَهُنَّ. وهذا تَعَدٍّ على حدودِ اللهِ، فالبناتُ لَهنَّ حقُّ في الميراثِ قد فَرضَه اللهُ لهنَّ، فمنْ حَاولَ حِرْمانَهُنَّ أو تجْزِئةَ الأموالِ بالوقفِ والوَصَايا، فهو عاصٍ للهِ ورسولهِ، ظالمٌ لنفسِهِ وأولادِه.
…أيُّها الأبُ الكريمُ:
…إنَّ سَلَفنا الصالحَ قد التزمُوا بالأدبِ النبويِّ الكريمِ في العدلِ بينَ أولادِهِم، حتى كانوا يَعدِلونَ في القُبلةِ، يقولُ إبراهيمُ التيميُّ:"إنِّي لو قَبَّلتُ أحدَ الصغارِ مِن أولادِي لرأيتُ لِزامًا عليَّ أن أقبِّلَ الصغيرَ مثلَه؛ خوفًا من أن يَقعَ في نفسِ هذا عليَّ أذىً"، وبمثلِهِ يقولُ أنسٌ - رضي الله عنه - قال:"كانَ رجلٌ جالسًا مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فجاءَه ابنٌ له، فأخذَه فَقبَّلَه، ثم أجلسَهُ في حِجْرِهِ، وجاءتِ ابنةٌ له فأخذَهَا إلى جَانِبِه، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم:"أَلَا عدلتَ بينهما"، يعني: ابنَهُ وابنتَه في تقبيلهما. [ أخرَجَهُ البزارُ والبيهقيُّ ] ، فَغرْسُ مِثْلِ هِذه الفضيلةِ في نفوسِ الأولادِ، يجعلُ لكَ ذكرًًا طيبًا في حياتِكَ وبعدَ مَمَاتِك."
…فاتقوا اللهَ واعدلُوا بينَ أبنائِكُمُ، مُسْْتنِيرِينَ بشرعِ ربِّكُم وسنَّةِ نبيكُم، أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ تعالى لي ولكم فاستغفروهُ، إنَّه هوَ الغفورُ الرحيمُ.
الخطبة الثانية