وَيَا مَنِ ابتلاكَ اللهُ بِمُصِيباتِ الدهِر: تَدَثَّرْ بِكساءِ الصبرِ، فإِنَّهُ مِنْ أَسبابِ مَغْفِرَةِ الوِزْرِ، كَمَا قال تعالَى: { إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } [هود:11] .
وَلا تحسَبَنَّ مغفِرَةَ الذنوبِ: فِي الخَطَايَا وَالرَّزَايا التي بَيْنَكَ وبَيْنَ عَلاَّمِ الغيوبِ فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ عَامَّةٌ فِيمَا بَيْنَك وَبينَ المخلوقِينَ، فمَنْ عَفَا عَمَّنْ أَساءَ إِليهِ فهُوَ قريبٌ مِنْ مَغْفِرَةِ ربِّ العالمينَ، قالَ تعالَى: { لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [البقرة:226] .
يَا مَنْ عَدَا ثُمَّ اعتَدَى ثُمَّ اقَْتَرفْ ثُمَّ ارْعَوَى ثُمَّ انَْتهَى ثُمَّ اعَْتَرَفْ
أَبْشِرْ بِقَوْلِ اللهِ فِي تَنْزِيِلهِ إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفْ
…وَتَأَمَّلْ مَا فِي قِصَّةِ الإِفْكِ لَمَّا أَنزَلَ اللهُ عزَّ وجَلَّ الآياتِ في بَرَاءَةِ عَائِشَةَ أُمِّ المؤمنينَ رضِيَ اللهُ عَنْها، فقالَ أَبو بكرٍ- رضي الله عنه - وكانَ يُنْفِقُ علَى مِسْطَحٍ لِقَرابَتِهِ مِنْهُ وفَقَْرِهِ: وَاللهِ لا أُنْفِقُ عليهِ شيئًا أَبدًا بَعْدَ الذي قالَ لِعائشةَ، فأَنزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: { وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [النور:22] . فقالَ أَبو بكرٍ - رضي الله عنه: واللهُ إِنِّي لأُحِبُّ أَنْ يغفرَ اللهُ لِي، فَأَرْجَعَ إِلى مِسْطَحٍ النفقةَ التي كانَ يُنْفِقُهَا عليهِ، وقالَ: لا أَنْزَعُهَا مِنْهُ أَبدًا.