…وعلَى هذا النهْجِ المتينِ، سارَ الصحابةُ ومَنْ بعدَهمْ مِنَ التابِعينَ، فقَدْ كانَ أبو بكرٍ - رضي الله عنه - رجلًا أَسِيفًا كثيرَ البكاءِ، وكانَ في وجهِ عمرَ بنِ الخطابِ - رضي الله عنه - خَطَّانِ أسودانِ مِنَ البكاءِ، وكانَ عثمانُ - رضي الله عنه - إذا وقفَ على القبرِ تخضَلُّ لِحْيتُه مِنَ البكاءِ، وكانَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ - رضي الله عنه - يقبِضُ على لحيتِه ويبِكي بكاءَ الخاشعِ الحزينِ وهَكَذا عَنْ سائرِ الصَّحْبِ النُّجَباءِ، وقامَ محمدُ بنُ المُنْكَدِرِ ذاتَ ليلةٍ فبكَى، ثم اجتمعَ عليهِ أهلُهُ لِيستَعْلِمُوا عَنْ سببِ بكائهِ، فاستعجَمَ لسانُه، فدعَوْا صاحبَه أبا حازمٍ فهدَّأَهُ، ثم سألَه عَنْ سببِ بكائِه، فقالَ: تلَوْتُ قولَ اللهِ تعالىَ: { وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ } { الزمر:47 } ، فبكَى أَبو حازمٍ وعادَ محمدُ بنُ المُنْكَدِرِ إلى البكاءِ فقالَ أهلُه: أَتَينْا بِكَ لِتخفِّفَ عَنْه فَزِدْتَه.
بكَى الباكونَ للرحمنِ ليلًا وباتُوا سُجَّدًا ما يسأَمُونا
بقاعُ الأَرضِ مِنْ شوقٍ إليهم تَحِنُّ متَى علَيْها يَسْجُدُونا
…بارَكَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ، ونفعَنا بما فيهِ مِنَ الهُدَى والبيَانِ، أقولُ قوليِ هذا وأستغِفرُ اللهَ لي ولكم فاستغفِروه إنَّه هوَ الغفورُ الرحيمُ.
الخطبة الثانية
…الحمدُ للهِ الذي أيقظَ مَنْ شاءَ مِنْ سِنَةِ الغفْلَةِ، ووضَعَ عَنْه أوزارَهُ وثِقَلَهُ، وأشهدُ أَنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، شَهادةً علَيْها مِنْ رِداءِ الإخلاصِ أجملُ حُلَّةٍ، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولهُ المبعوثُ بأشرفِ مِلَّةٍ، والمخصوصُ بأكرمِ خُلَّةٍ، صلَّى اللهُ وسلَّمَ عليهِ وعلَى آلهِ وأصحاِبهِ السادَةِ الأَجِلَّةِ، وعلى تابِعيهِمْ بإحسانٍ إلى يومِ المُساءَلَةِ.
…أمَّا بعدُ: