…فشَتاَّنَ ما بَيْنَ حالِ المؤمنِ المتفائلِ، والفاجِرِ المتشائِمِ الذي لا يَرَى في الوجودِ إلاَّ الظلامَ والتعَّاسَةَ والشَّقاءَ. وجَديرٌ أنْ يَلِدَ الإيمانُ الأملَ، وأنْ تُثْمِرَ شجَرةُ اليقينِ التفاؤلَ، وأنْ يكونَ المؤمنُ أوْسَعَ الناسِ أملًا وأكثرَهُمْ تفاؤلًا واستبشارًا، فهَذا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الذي أرسلَهُ اللهُ بشيرًا ونذيرًا مكَثَ في مكةَ ثلاثةَ عشرَ عامًا يدعوُ إلى الإسلامِ فجابَهَ طواغيتُ الشِّرْكِ وعُبَّادُ الأوثانِ دعوتَهُ بالاستهزاءِ، وآياتِ ربِّهِ بالسُّخْريةِ والعِداءِ، وأصحابَهُ بالأذَى والضرَّاءِ، غَيْرَ أنَّه لَمْ يَضْعُفْ عَنْ مبدَئِهِ ولَمْ يستَكِنْ، ولَمْ يَنْطَفِِىءْ في صدرِهِ أملُ الغلَبَةِ والظَّفَرِ. وحينَ اشتدَّ عليهِ وعلَى صاحِبهِ الطَّلَبُ أيامَ الهِجْرةِ إِلى حَدِّ أنْ وقَفَ المشركونَ فوقَ رؤوسِهِما وهوَ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ لأبي بكرٍ - رضي الله عنه - بِلُغَةِ الواثِقِ بربِّهِ - عز وجل:"ما ظَنُّكَ باثْنَيْنِ اللهُ ثالثُهما" [أخرجَهُ البخاريُّ ومسلمٌ] .
…وهَذا إبراهيمُ- عليهِ السلامُ - قَدْ صارَ شَيْخًا كبيرًا ولَمْ يُرْزَقْ بَعْدُ بِوَلَدٍ فيدفَعُهُ حُسْنُ ظَنِّهِ بربِّهِ أنْ يَدْعُوَهُ: { رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ } { الصافات:100 } ، فاستجابَ له ربُّهُ ووَهَبَ لهُ إسماعيلَ وإسحاقَ عليهما السلامُ.