ولا تتوقف فتنة يوسف عند هذا الحد، بل إن امرأة العزيز تواصل مراودته، ويخرج الأمر من حدود السر، وتتوالى حلقات الابتلاء فيظل يوسف صامدًا صمود الجبال، قال الله تعالى {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (30فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ(31) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ} [يوسف: 30، 33] .
وإنها لأسوة باقية على الدهر، لكل شاب ينشد العفاف، وقد ألمت به المغريات وأحاطت به الفتن، فجرد لها من صبره ما تتحطم عليه الشهوات، ولم يتكل على نفسه بل لجأ إلى الله.
ومن تكن العلياء همة نفسه فكل الذي يلقاه فيها محبب
ألا وإن سر الأخلاق الفاضلة ومنبعها الذي لا ينضب هو كتاب الله عز وجل، ذلك الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فما أحرانا بالإقبال عليه، وأخذ الأخلاق والفضائل منه، والتخلق بأخلاقه، فإنه سبيل النجاة في دنيا الفتن الحالكة.