…يقولُ ابنُ القيِّمِ: السنةُ شجرةٌ, والشهورُ فروعُها, والأيامُ أغصانُها, والساعاتُ أوراقُها, والأنفاسُ ثِمارُها, فمَنْ كانَتْ أنفاسُهُ في طاعةٍ فثمرةُ شجرتِهِ طيِّبةٌ, ومَنْ كانَتْ أنفاسُهُ في معصِيَةٍ فثمرةُ شجرتِهِ حَنْظَلٌ, وإنَّما يكونُ الجِذاذُ يومَ الميعادِ, فعِنْدَ الجِذاذِ يتَبيَّنُ حُلْوُ الثمارِ مِنْ مُرِّها. وعَنِ ابنِ عباسٍ رضِيَ اللهُ عَنْهما أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:"نِعْمَتانِ مغبونٌ فِيهما كثيرٌ مِنَ الناسِ: الصحَّةُ والفراغُ" [أخرجَهُ البخاريُّ] , وكَمْ كانَ الفراغُ سببًا للانحرافِ وسوءِ الحالِ, عِنْدَ عَدَمِ حُسْنِ الاستثمارِ والاستغلالِ, فهوَ مِنَّةٌ ونَعْماءُ, لكنْ إذا استُغِلَّ في معصيةِ اللهِ فهوَ نِقْمَةٌ وبلاءُ.
…أَلا وإنَّ دينَكُمُ السَّمْحُ لا يحجُرُ علَى أتباعِهِ, أنْ يُروِّحوا عَنْ أنفسِهِمْ, أوْ يُدْخِلوا السرورَ علَى أهلِيهِمْ وأبنائِهمْ, فالترفِيهُ البريءُ والترويحُ المباحُ لاغَضاضَةَ علَى الإنسانِ فيهِ, بَلْ قَدْ يكونُ مطلوبًا شرعًا,كما جاءَ في حديثِ حَنْظَلَةَ:"ولكنْ ساعةٌ وساعةٌ" [أخرجَهُ مسلمٌ] , يقولُ عليٌّ - رضي الله عنه:"رَوِّحوا عَنْ قلوبِكمْ, فإنَّ القلوبَ إذا كلَّتْ ملَّتْ, وإذا ملَّتْ عَمِيَتْ", أمَّا أنْ يُسْتَغَلَّ ذلِكَ فيما يُضعِفُ الإيمانَ, ويوقِعُ في الذنوبِ والعصيانِ, ويجلِبُ سَخَطَ الديَّانِ, فذلِك هوَ الخُسْرانُ.
…إخوةَ الإيمانِ:
…إنَّ السفرَ لهُ فوائِدُهُ العِظامُ، في النفوسِ والعقولِ والأجسامِ, بَلْ قَدْ يكونُ مطلوبًا لمقاصِدَ ومهامَّ, فالماءُ الدائمُ يَأْسَنُ, والشمسُ لَوْ بَقيَتْ في الأُفُقِِ واقِفةً لملَّتْ, والنفسُ لَوْ وُطِّدَتْ علَى مكانٍ ضاقَتْ وكلَّتْ, وعَنْ بديِع صُنْعِ اللهِ غفَلَتْ.