…ما أعظمَ أنْ يُحِبَّ المرءُ لأخيهِ ما يُحِبُّ لِنفسِهِ، وما أجملَ أنْ يشارِكَهُ في أحوالِهِ، كلِّها، فيحزنُ لحزْنِهِ وإذا سُرَّ يُسَرُّ، و يواسيهِ بمالِهِ إذا قلَّتْ ذاتُ يدِهِ وافتقرَ، ولكنَّ الأعظمَ مِنْ ذلِكَ أنْ يُؤثِرَ الإنسانُ غيرَهُ بالشيءِ وهوَ أحوجُ ما يكونُ إليهِ، وأنْ يبذلَ له مِنْ مالِهِ ووقتِهِ وجُهْدِهِ ما لا يبذلُهُ لنفسِهِ التي بَيْنَ جَنْبَيْهِ، ابتغاءَ مرضاةِ المولىَ الكريمِ سبحانَه وتعالَى؛ فيجوعُ لِيشبعَ أخوهُ، ويظمأُ لِيَرْوَى، ويسدُّ خَلَّتَهُ وحاجتَهُ ولَوْ بَقِيَ طاوِيًا محتاجًا، فَهَذا - واللهِ- ذوحَظٍّ عظيمٍ، وخُلُقٍ كريمٍ، فلا أحدَ أكرمُ مِنْه في دنيا الناسِ ولا أسمَى، وله في مَراتِبِ الإيمانِ باللهِ تعالىَ المرتبةُ العُظْمَى، كما قالَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ - رضي الله عنه: الإيثارُ أعلَى مراتِبِ الإيمانِ.
…عِبادَ اللهِ:
…لَقدْ سجَّلَ التاريخُ أروعَ الأمثلَةِ، وأصدَقَ الشواهِدِ، وأخلَصَ الِعبَرِ مِنْ حياةِ الرعيلِ الأوَّلِ مِنْ سَلَفِنا الصالحِ رضوانُ اللهِ عليهمْ، الذينَ زيَّنوا صفَحاتِهِ بأوسِمَةِ الحُبِّ والإيثارِ، وقلَّدوا عُنقَهُ بقلائِدِ العزِّ والفَخارِ، وصاغوا علَى جَبينِهِ الأغرِّ صفحاتٍ مِلْؤُها الأُخوَّةُ الصادِقةُ والمحبَّةُ الفائِقَةُ، فإنَّ الدنيا لم تَرَ إيثارًا ارتفَعَ عَنِ الشهوةِ، ولا حُبًّا تعالَى عَنِ المنفعةِ؛ كالإيثارِ الذي عاشَهُ المؤمنونَ، والحبِّ الذي تبادَلَهُ المسلمونَ، فَهاهُمْ أُولاءِ المهاجرونَ الأولونَ يخرجونَ مِنْ دِيَارِهِمْ وأموالهِمْ يبتغونَ فضلًا مِنَ اللهِ ورِضْوانًا، وينصرونَ اللهَ ورسولَهُ، فيستبشرُ إخوانهُمُ الأنصارُ بقدومِهمْ ويستقبلونهَمْ بِلهفةٍ عارِمَةٍ ومحبَّة صادقَةٍ بلغَتْ حَدَّ التنافُسِ بينَهُمْ في نَيْلِ شرَفِ استضافَةِ إخوتِهِمْ في الدِّينِ، ورفقاءِ خاتَمِ الأنبياءِ وإمامِ المرسلينَ.