…والأمانةُ- أيُّها المسلمونَ - مِنَ الأخلاقِ المجيدةِ, والصفاتِ الأكيدةِ, التي يجبُ أن تكونَ متحققةً فيمَنْ يتولىّ أمرَ المسلمينَ, فيكونَ صادِقًا مُخْلِصًا, يُقَدِّمُ المصلحةَ العامّةَ على مَصلَحتِه الشخصيةِ أو الفئوية, وأنْ تتحقَّقَ فيهِ صفةٌ أخرى كذلك وهي القوة؛ بأن يكون كفئًا قادرًا على تحمل المسؤولية, كما ذَكَرَ اللهُ عزّ وجلَّ في قولِ إحدى ابنتيِ الرجلِ الصالحِ لأبيها عَنْ موسى عليه الصلاةُ والسلامُ: { يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خيرَ مَنِ استأجرْتَ القويُّ الأمين } { القصص:26 } , ولَنْ يَنجُوَ المسلِمُ الذي يَنْتَخِبُ مِنَِ المسؤوليةِ أمامَ الله تعالى إلاّ إذا قامَ بالاختيارِ على هذا الوجهِ الصحيح.
…ومِن حِفْظِ الأمانةِ - عبادَ اللهِ - أنه لا يجوز لأيٍّ مِن الناخبينَ أن ينقلَ اسمَهُ نقْلًا صوريًّا غيرَ حقيقيٍّ مِن منطِقَتِهِ الانتخابيةِ إلى منطقةٍ انتخابيةٍ أخرى؛ لأنه نوعٌ من التزوير يخالف الأمانةَ فهو محرّم.
…أيها المؤمنون:
…أَلاَ وإنَّ مِن أخطرِ الخطَرِ, وأفظعِ الشَّرَرِ: انتشارَ الرّشوةِ بين أفرادِ المجتمعِ؛ فإنها مِن أعظمِ صُوَرِ تضييعِ الأمانة التي أمرنا اللهُ تعالى بحفظِها, فهي سببٌ للتنازلِ عنِ الحقوق, وأداةٌ لشراء ذِمَمِ الناس, وطريقٌ فجٌّ لهدْمِ الدُّنيا والدِّين, فالذي يشتري ضمائرَ الناسِ يبيعُ ضميرَه, والذي يُغري الناسَ بمالٍ أو جاهٍ ونحوِهما يبيعُ وطنَه ومجتمَعَه.
… ومِنْ أجْلِ هذا, فقد كانتِ الرشوةُ في الإسلامِ مِن كبائرِ الذنوبِ والآثامِ, وعظائمِ الجرائمِ والأوزارِ, وهي كذلك في قانونِ البشرِ, وقد جاءَ النَّصُّ النبويُّ في هذا حاسمًا قاطعا, وواضحًا ساطعا, لا يقبل تحريفًا ولا تأويلا, فقال ثوبانُ - رضي الله عنه:"لَعَنَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الراشِيَ والمرتشيَ والرائِشَ", يعني: الذي يمشي بينهما. [أخرجه أحمد] .