…ولَقَدْ أخبرَنا رسولُنا الكريمُ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه سيأتي يومٌ تُرفعُ فيه الأمانةُ, فعن حُذيفةَ ابنِ اليمانِ رضي اللهُ عنهما قال: حدَّثنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حديثَيْنِ قد رأيتُ أحدَهما, وأنا أنتظرُ الآخَر: حدّثنا أنَّ الأمانةَ نزلَتْ في جَذْرِ قلوبِ الرجال, ثم نزلَ القرآنُ فعَلِموا مِن القرآن وعلِموا مِن السُّنة, ثم حدّثنا عن رفعِ الأمانةِ فقال:"ينامُ الرجلُ النومةَ فتُقبضُ الأمانةُ مِنْ قَلْبِهِ فيظلُّ أثرُها مثلَ الوكْت" [ وهو الأثر اليسير] إلى أن قال - صلى الله عليه وسلم:"فيُصْبِحُ الناسُ يتبايعون, فلا يكادُ أحدٌ يؤدي الأمانةَ حتى يقالَ: إنَّ في بني فلانٍ رَجُلًا أمينًا, حتى يقالَ للرجل: ما أجلَدَهُ ما أظرفَهُ ما أعقَلَه ! وما في قلبه مثقالُ حبةٍ مِن خردلٍ مِن إيمان" [متفقٌ عليه] .
…عبادَ الله:
…وليستِ الأمانةُ مقصورةً في معناها على حفظِ الأشياءِ المادِّيةِ فحسْبُ, بل هي أشملُ مِنْ ذلكَ وأعمُّ؛ إذْ هيَ تشملُ الأمورَ الحِسيةَ والمعنوية, فالعدْلُ بينَ الرعيةِ والأولادِ والزوجةِ وغيرِهم مِنَ الأمانة, وقولُ كلمةِ الحقِّ حيثُما كانتْ مِنَ الأمانة, والشهادةُ والتزكيةُ للناسِ مِنَ الأمانة, والمحافظةُ على أعراضِ الناس وحُرُماتِهم وأخلاقِهم مِنَ الأمانة, وبالجُملةِ: فحِفظُ الدِّينِ بكلِّ ما فيه مِن أوامرَ وزواجرَ, هو مِن الأمانةِ التي استرعانا اللهُ تعالى إياها, وعلى هذا فُسِّر قولُ المولى عز وجل في كتابِهِ العزيز: { إنا عَرَضْنا الأمانةَ على السمواتِ والأرضِ والجبالِ فَأَبَيْنَ أن يَحْمِلْنَها وأَشْفَقْنَ مِنْها وحمَلَها الإنسانُ إنّهُ كان ظَلومًا جهولا } { الأحزاب:72 } .
والأمانةُ هنا: راجعةٌ إلى جميعِ التكاليفِ الشرعيةِ التي مَنْ قامَ بها أُثيبَ, ومَنْ تَرَكَها عوقبَ, فَقَبِلَها الإنسانُ على ضعفِهِ وجهلِهِ وظُلْمِهِ.