والقلبُ - عِبادَ اللهِ - عليهِ مدارُ صَلاحِ أعمالِ المرْءِ أوْ فَسادِها؛ لأنَّ القلبَ هوَ المَلِكُ, وبقيَّةَ الأعضاءِ جنودُهُ, وإنَّما يكونُ الجنودُ تَبَعًا لِلمَلِكِ, كما قالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في الحديثِ المتفَّقِ علَى صِحَّتِهِ:"أَلا وإنَّ في الجسدِ مضغةً, إِذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجسدُ كلُّهُ, وإذَا فَسَدَتْ فسدَ الجسَدُ كلُّه, أَلا وهِيَ القَلْبُ".
…فكانَ حقيقًا بالمسلمِ وجديرًا بِهِ أَنْ يُعنَى بالقلبِ أَيَّما عِنايةٍ, ويرعاهُ أَيماَّ رِعايةٍ؛ فيخصَّهُ بمعُظَمِ الاهتمامِ, ويكونَ محطتَهُ الأُولَى في الطريقِ إلى الإصلاحِ؛ فإنَّ هذا هوَ الطريقُ الصحيحُ لِلوصولِ إلى حقيقةِ التقوَى, ولِلفوزِ بما أعدَّ اللهُ تعالىَ لِعبادِهِ المتقينَ في الأُخْرَى, ولِتحقيقِ السعادةِ والطمأنينةِ والراحَةِ في الدُّنيا.
…ومِنْ أَجْلِ هذِهِ الحقيقةِ المهمَّةِ نجدُ أنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُهُ قَدْ أكثرَ مِنْ ذكرِها في كتابِهِ الكريمِ, وأوضَحَها لنا بأكثَرَ مِنْ طريقٍ, فقالَ سبحانَهُ: { يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } { الشعراء:88-89 } , وقالَ تعالىَ: { وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ق:31-34 } ، ولمّا ذَكَرَ اللهُ جلَّ شأنُه الكافرينَ قالَ فِيهِم: { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } { الصف:5 } , وقالَ سبحاَنهُ: { كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ } { الأعراف:101 } , ولما ذَكَرَ المنافقينَ قالَ فِيهم: { وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ } { التوبة:87 } .