…فأُوصيكمْ ونفسيَ بتقوى اللهِ تعالى أيُّها المؤمنونَ، فاتَّقُوا اللهَ: { وابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ وجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } { المائدة: 35 } .
…عبادَ اللهِ:
…لمَّا كانَ الظُّلمُ والعُدوانُ: مُنافِيَينِ للعدْلِ والحقِّ الذي اتَّصفَ بهِ الملِكُ الديَّانُ، ومنافِيَينِ للميزانِ؛ الذي قامتْ بهِ الأرضُ والسماواتُ، وحُكِمَ بهِ قِسطًا وعدلًا بيْنَ جميعِ المخلوقاتِ، كانَ الظُّلمُ والعُدوانُ عندَ اللهِ تعالى مِنْ أكبرِ الكبائرِ والمُوبقاتِ، وكانتْ درَجتُهُ فِي الجُرْمِ والإثمِ بحسَبِ مفسدتِهِ فِي الأفرادِ والمُجتمعاتِ.
…قالَ اللهُ تباركَ وتعالى في الحديثِ القدسيِّ:"يَا عبادِي إنِِّي حرَّمتُ الظُّلمَ على نفْسِي؛ وجعلتُهُ بينَكُمْ مُحرَّمًا: فَلا تَظالَمُوا" [أخرجَهُ مسلمٌ مِنْ حديثِ أبي ذرٍّ الغفاريِّ - رضي الله عنه -] ، وإنَّ مِنْ أشنعِ البريَّةِ ظُلمًا؛ وأَبْشعِها جُرْمًا: أئِمةَ الظُّلمِ والبَغْيِ والضَّلالِ؛ ووُلاةَ الجَوْرِ والبطْشِ والنَّكالِ، الذينَ طالَما رَوَّعُوا العبادَ، وهَتَكوا حرمةَ البُيوتِ والبلادِ، وأهدروا حقوقَ البهائمِ والجَمادِ، فرَفَعُوا أعلامَ البَغيِ والفَسَادِ، ونكَّسُوا راياتِ العدْلِ والرَّشادِ.
…فيَا لَلَّهِ،كمِ استنصرَ بهمْ مِنْ قويٍّ جائرٍ فأعزُّوهُ؛ وكمْ استصرخَهمْ مِنْ ضعيفٍ حائرٍ فأذلُّوهُ، قدْ سَامُوا شعوبَهُمْ سُوءَ العذابِ والبَلاءِ، فقتلُوا الرِّجالَ والوِلدانَ والنِّساءَ، هُمْ أبغضُ الخلقِ إلى اللهِ تعالى وأبعدُهُمْ مِنهُ منْزِلةً يومَ القيامةِ، يومَ يَبْدُو لهُمْ مِنَ اللهِ تعالى مَالا يَحتسبونَ مِنَ الملامَةِ النَّدامةِ، فهُمْ على مَافَرَّطُوا يَتحسَّرونَ: { َ هُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ } { الأنعام: 31 }