…لقد خُصَّ رسولُنا الكريمُ - صلى الله عليه وسلم - بخصائصَ عظيمةٍ, ومِنَنٍ كريمةٍ, مِنْ أبرزِها أنَّه أُوتِيَ جوامعَ الكَلِمِ, فهو يتكلَّمُ بالكلماتِ اليسيرةِ, المشتملةِ علَى المعانِي الجامعةِ الكبيرةِ, ومِنْ أمثلةِ ذلك: الحديثُ الذي أخرجَه البخاريُّ ومسلمٌ في صحيحيهما, مِنْ روايةِ النُّعمانِ بنِ بشيرٍ رضِيَ اللهُ عَنْهما قالَ: سمعتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ:"إنَّ الحلالَ بيِّنٌ وإنَّ الحرامَ بيِّنٌ, وبينَهما أمورٌ مُشْتبِهاتٌ لا يعلمُهنَّ كثيرٌ مِنَ الناسِ, فمَنِ اتَّقىَ الشبهاتِ فقَدِ استبرأَ لدينهِ وعرضِهِ, ومَنْ وقعَ في الشُّبهاتِ وقعَ في الحرامِ, كالراعِِِي يرعَى حولَ الحِمَى يوشكُ أنْ يرتعَ فيه, ألَا وإنَّ لكلِّ مَلِكٍ حِمًى, أَلا وإنَّ حمىَ اللهِ محارمُه, ألا وإنَّ في الجسدِ مضغةً إذا صلَحَتْ صلَحَ الجسدُ كلُّه, وإذا فسدَتْ فسدَ الجسدُ كلُّه, ألا وهِيَ القلبُ".
…وقَدْ ذكرَ في أوَّلهِ مسألةَ الأحكامِ الشرعيَّةِ في دينِنا الحنيفِ, فقَدْ أَنزلَ اللهُ تعالَى على نبيِّهِ الكتابَ, وبيَّنَ فيهِ للأمَّةِ ما يُحتاجُ إليه مِنَ الأحكامِ مِنْ حلالٍ أوْ حرامٍ كما قالَ تعالَى: { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ } { النحل:89 } , وما قُبِض - صلى الله عليه وسلم - حتى أكملَ له ولأمَّتِهِ الدينَ, ولهذا أنزلَ عليهِ بعرفةَ قبلَ موتهِ بمدةٍ يسيرةٍ قولَة سبحانَه: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا } { المائدة:3 }