…ولقد كان سلفُنا الصالحُ رحمهُمُ اللهُ تعالى يَخُصُّونَ هذا الشهرَ المباركَ بمزيدٍ مِنَ العنايةِ بكتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ, قراءةً وتَدَبُّرًا, في الصلاةِ وفي خارجِها؛ لأنَّه شهرُ القرآنِ.
…فكان إبراهيمُ النَّخَعيُّ وقتادَةُ رحمَهُما اللهُ تعالى يختِمانِ القرآنَ في رمضانَ في كلِّ ثلاثِ ليالٍ مرةً, وفي العشرِ الأواخرِ في كلِّ ليلةٍ.
…وكانَ الزُّهْريُّ إذا دخلَ رمضانُ يقولُ: إنَّما هوَ تلاوةُ القرآنِ, وإطعامُ الطعامِ. وكانَ مالكُ بنُ أنسٍ رحمه اللهُ إذا دخل رمضانُ يتركُ قراءةَ الحديثِ ومجالسةَ أهلِ العلم, ويُقْبِلُ على تلاوةِ القرآنِ مِنَ المصحفِ. وكذلك يَفْعَلُ سفيانُ الثوريُّ رحمه اللهُ. وكان زُبيدٌ اليامِيُّ إذا حَضَرَ رمضانُ أحضرَ المصاحفَ وجَمَعَ إليه أصحابَه. وقد قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"... وما اجتمعَ قومٌ في بيتٍ مِنْ بيوتِ الله, يتلونَ كتابَ اللهِ ويتدارسونَهُ بينَهم, إلاّ نَزَلَتْ عليهمُ السَّكينَةُ, وغَشِيَتْهُمُ الرحمةُ, وحفَّتهمُ الملائكةُ, وذكَرَهم اللهُ فيمَنْ عنْدَه" [أخرجَه مسلمٌ] .
وقال خبَّابُ بنُ الأرَتِّ - رضي الله عنه - لرجلٍ: تَقَرَّبْ إلى اللهِ تعالى ما استطعتَ, واعلمْ أنَّكَ لَنْ تتقربَ إليه بشيْءٍ هو أَحَبُّ إليهِ مِنْ كلامِه. وقالَ عثمانُ بنُ عفّانَ - رضي الله عنه: لوْ طَهُرَتْ قلوبُكم, ما شبِعتُم مِن كلامِ رَبِّكُم. وقال بعضُ السلفِ: إذا أردتَ أن تَعْرِفَ قدْرَكَ عندَ اللهِ, فانْظُرْ قَدْرَ القرآنِ عندَك.
باركَ اللهُ لي ولكمْ بالقرآنِ العظيمِ, ونفعنِي وإيَّاكُمْ بما فيهِ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحكيمِ, أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ تعالى لي ولَكُمْ ولسائرِ المسلمينَ فاستغفروهُ, إنّهُ هوَ الغفورُ الرحيمُ.
الخطبة الثانية