…لقد شاءَ اللهُ - جلَّ ثناؤه وتقدَّسَتْ أسماؤهُ - أنْ يفضِّلَ بعضَ الخَلْقِ علَى بعضٍ في المنازلِ والدرجاتِ، فقد خلقَ اللهُ - عَّز وجلَّ - البشرَ واصطفَى مِنْهم رسلًا وفضَّلَ بعضَ الرسلِ علَى بعضٍ؛ كما قالَ سبحانَه: { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ } { البقرة: 253 } .
وفضَّلَ - سبحانَه - بعضَ الملائكةِ علَى بعضٍ؛ كما قالَ جلَّ جلالُه: { اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ } { الحج:75 } .
…واختارَ - تباركَ وتعالَى - بعضَ الِبقاعِ علَى بعضٍ ؛ فمكَّةُ أُمُّ القُرَى ، والمسجدُ الحرامُ أفضلُ مِنْ غيرِه مِنَ المساجدِ، ثمَّ المسجدُ النبويُّ، ثمَّ المسجدُ الأقصَى، واصطفَى - سبحانَه - بعضَ الأزمَنةِ على بعضٍ ، فالعشرُ الأُوَلُ مِنَ ذي الحجَّةِ خيرُ أيامِ الدُّنيا، وليلةُ القدرِ في العشرِ الأواخرِ مِنْ رمضانَ خيرٌ مِنْ ألفِ شهرٍ، وحَسْبُ هذهِ الليالي الأخيرةِ مِنْ رمضانَ شرفًا وفضلًا أنَّ اللهَ اختصَّها بليلةِ القدرِ التي أنزلَ فيها القرآنَ. قالَ ابنُ عباسٍ رضِيَ اللهُ عنْهما: أنزلَ اللهُ القرآنَ جملةً واحدةً مِنَ اللوحِ المحفوظِ إلى بيتِ العِزَّةِ مِنَ السماءِ الدنيا، ثمَّ نزلَ مُفصَّلًا بحَسَبِ الوقائعِ في ثلاثٍ وعشرينَ سنةً علَى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - .