وقد بدأ هذا التنزيل في هذا الشهر الفضيل، يقول الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون} َ (البقرة: 185)
قال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ:"أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان, فوضع في بيت العزة في سماء الدنيا ثم نزل به جبريل على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نجومًا في ثلاث وعشرين سنة"فذلك قوله تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا} (الإسراء 106) 0
بمعنى: أنزلناه منجمًا مفرقًا في ثلاث وعشرين عامًا وهي مدة الرسالة في العهدين المكي والمدني على حسب الحوادث.
ألا وإن الحكمة من ذلك, هي تثبيت قلب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليصدع بالدعوة, ويتحمل أذى قومه, ويبلغ رسالة ربه بشيرًا ونذيرًا, {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}
(البقرة: 23) . فكانوا إذا أحدثوا شيئًا أنزل الله تعالى في ذلك جوابًا, أخرج البخاري عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت:"إنما نزل أول مانزل منه سورة المفصل فيها ذكر الجنة والنار, حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام, ولو نزل أول شيء"لاتشربوا الخمر"لقالوا: لاندع الخمر أبدًا, ولو نزل"لاتزنوا"لقالوا: لاندع الزنا أبدًا".