ولقد تَوَّجَ الشيخُ هذا العلمَ الجَمَّ، والتعبُّدَ والتواضعَ الفذَّ، بِوَرعِهِ المشهورِ عَنه، وإنَّه لعُمَلةٌ نادرةٌ في هذا الزمانِ، حتى مِن أهلِ العلمِ والإيمانِ، ومما ذُكِرَ عَن وَرَعِهِ - رَحِمَه الله- أن الشيخَ أحمدَ الجابرَ ـ رحمه الله ـ حاكمَ الكُويتِ آنذاك، أرسلَ له مبلغًا من المالِ عظيما، وقال له: إنه ليس من الجُمْركِ بل من خالصِ المالِ و حلالِه إكرامًا للعلماء، فأَخَذَها الشيخُ عبدُ الله وأخرجَها وعدَّها، و أظهرَ كأنه قَبِلَها، حتى لا يكونَ في الخاطرِ شيءٌ، ثم أعادَها إلى رسولِه، وقال: أرجِعْها و قل له: أنتم ذُخْرٌ إذا احتجتُ إليها أَخذْتُها"."
هكذا كانَ ورعُه، يَفِرُّ من الأغنياءِ والوُجهاءِ، مُتَحَبِّبًا إلى المساكينِ و الفقراءِ، يكره أن يُذكَرَ بِحَمدٍ أو ثناءٍ، وهذه - وَأيمُ الله - أخلاقُ العلماءِ .
أيُّها النُّبلاءُ:
وحينَ شَغرَ منصبُ القضاءِ، توجَّه الأميرُ والوجهاء، طالبين من الشيخِ أن يَلِيَ هذا المنصبَ ، فأَبى ولكن أين المفرُّ والمهربُ، ولا نظيرَ له في العلمِ والتُّقى والأدبِ، فَقَبِلَ على أن يكونَ فيه نائبًا لا أصيلًا، إلى أن يجدوا مكانَه بديلًا.
يقول تلميذُه عبدُ الله النوري ـ رحمه الله ـ:"وعدلُه المشهورُ يدلُّ على صِدقِ إيمانِه، وَثباتِ يقينهِ بِربِّهِ، وَلِيَ القضاءَ فحكمَ وعَدَل، ولم يَخَفْ في اللهِ لَوْمةَ لائمٍ، ولا بطشَ ظالمٍ، يأتيه الخَصْمان فيسمعُ من كلٍّ منهما حُجَّتهَ، ثم يعرضُ عليهما الصُّلحَ، فإن قَبلا و إلا حَكَم بما يعتقدُ أنه الحقُّ، فيخرج الخَصْمان وكلاهما راضٍ بِحُكمهِ العدلِ، داعٍ له بالخير".