وكان الشيخُ أحمدُ الجابرُ - رحمه الله - يحضُرُ بعض مجالِسِ القَضاء، فكلَّما صَدَر الحكمُ مِن قِبَلِ الشيخِ عبدِ الله أخذهَ الأميرُ ووضعهُ على رأسِهِ، توقيرًا لِحُكْم الشَّرعِ، وتبجيلًا لهذا الشيخِ الوَرِعِ، ولم يلبثِ الشيخُ في هذا المنصبِ إلا عامًا واحدًا حيثُ تُوُفِّيَ بعدَها، وقد أدَّى الذي عليه ، مُحْتَسِبًا، لم يأخذْ عليه أُجرةً.
قد راوَدوك على القضا إِذ لم يَكُنْ أَوْلى بذلِك من جَنابِكَ يعلمُ
فأبيتَ جُهدَك هاربًا من منصبٍ قَلَّتْ سلامةُ مَن عليه تَسَنَّمُوا
حتى إذا لم ينتَهُوا ورأَيْتَهُم قَدْ أكْرَهوكَ لبِثتَ عامًا تَحْكُمُ
وتركتَ أرزاقَ القُضاةِ تَرَفُّعًا عنها فما الدينارُ أو ما الدرهمُ ؟
فعليكَ مِن مولاكَ أوْسَعُ رحمةٍ لا تنتهي وتحيةٌ و تَكَرُّمُ
بارك اللهُ لي و لكم في الوحيين، وَبِسِيَرِ العلماءِ العاملين، أقولُ ما تسمعون، و استغفر الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين،إنه خيرُ الغافرين .
الخطبة الثانية
الحمدُ لله القائل: { إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } { فاطر:28 } ، و أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له المتفرِّدُ بالعزةِ والبقاءِ، و أشهدُ أن محمدًا عبدُه و رسولُه سيدُ الأصفياء، و خاتَمُ الرُّسُلِ والأنبياءِ، صلى الله وسَلَّمَ عليه وعلى آلهِ وصحبه أُولي الفضلِ و الوفاءِ، صلاةً و سلامًا تامَّيْنِ دائمينِ أبدًا إلى يومِ النِّداءِ.
أما بعدُ:
فاتقوا الله أيها العقلاءُ، وتأمَّلوا في أخبارِ مَن سَبَقَ من العلماءِ، ثم أَتْبِعوها العَملَ والاقتداءَ .
إِخوةَ الإسلامِ:
ومِن مَآثِرِ هذا الشيخِ الهُماَم، أنه لما قَعدَ الدهرُ ببعضِ خُصومِهِ وأَقْرَانِهِ، زارَه الشيخُ في منزلِه وعَطَفَ عليه، و دَسَّ النفقةَ سِرًا تحتَ بِساطِهِ.