وكان الناسُ يَقصِدُونه مِن أماكنَ بعيدةٍ، ليحضُروا خُطبةَ الجمعةِ عندَه، وكانوا يدفعون بجنائِزِهم من نواحِي الكويت، ليصلِّيَ عليها و يدعُوَ لها، لما رَأَوْا من صلاحِه وإخْباتِه.
أيها الأحبةُ في الله:
وبعد سبعةٍ و خمسين عامًا قضاها الشيخُ في العلمِ والتعليمِ والإِفادة، وفي العبادةِ والزَّهادَةِ، أَلَمَّ بالشيخِ مرضُ ذاتِ الجَنْب، حتى كانت مَنِيَّتُه قُبَيْلَ فجرِ يومِ الإثنينِ في الثامنِ والعشرينَ من رمضانَ لعامِ تِسعٍ وأربعينَ و ثَلاثِمَائةٍ من الهجرةِ (349هـ) . يقول تلميذُه المؤرخُ الرشيدُ ـ رحمه الله ـ:"آهٍ ما أتعسَ الكويتَ، بعد أن انطفأَ مصباحُها الوضَّاء، وخَسَفَ قمرُها المنير، ونَضَب نهرُها العذْبُ، فإناّ لله و إناّ إليه راجعون".
وقد كانت جِنازتُه حافلةً، شَهِدَها الشيخُ أحمدُ الجابرُ والأعيانُ والعامةُ، وكانَ أولُ المشيعِّين في المقبرةِ وآخرُهم عند المسجد، و لله دُرّ القائل:"عاش خَزَنَةُ العِلمِ و هم أموات".
يموتُ الملوكُ و الأمراءُ، و الأغنياءُ و الوزراءُ، وكلُّ هؤلاءِ يُعوَضَّونَ، أما العلماءُ فلا، فعن عبدِ الله بن عمروٍ - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إنَّ الله لا يقَبِضُ العلمَ انتزاعًا ينتزِعُه من العبادِ ولكنْ يَقْبِضُ العلمَ بِقَبْضِ العلماءِ، حتى إذا لم يَبْقَ عالمٌ اتخذَ الناسُ رؤوسًا جُهَّالًا فسُئِلوا فأفْتَوْا بغيرِ عِلمٍ فَضَلّوا وأضلُّوا". [ أخرجه البخاري] .
وهذه دروسٌ وعِبَرٌ، من أخبارِ العلماءِ علماء الخير، تُعينُ على الحقِّ والدين، والنجاحِ في شَتَّى الميادينِ، ألا فَلْنَعْتَبِرْ بأحوالِهم، وَلْنَسِرْ على مِنوالِهم، عَلّ اللهَ أن يُلحِقَنا بهم.