…فحَرِىٌّ بصاحبِ هذهِ النَّعْماءِ أنْ يصونَها عمَّا حرَّمَ خالقُ الأرضِ والسماءِ مِنَ السخريةِ والاستهزاءِ، والاستطالةِ في أعراضِ المسلمينَ الشرفاءِ؛ لِيعيشَ المجتمعُ المسلمُ قويَّ الصلاتِ، سليمًا مِنَ الآفاتِ، مُتبادِلَ الحُبِّ والمودَّاتِ، وإنَّ الغِيبَةَ والنَّميمةَ مِنْ أخطرِ آفاتِ اللسانِ والذنوبِ التي عَظُمَ ضررُها، وفَدَحَ خطرُها، والغيبةُ والنميمةُ تُفسدانِ القلوبَ، وتُغضبانِ علاَّمَ الغيوبِ، وتَجلبانِ العَداواتِ واِلإحَنَ، وتُورِثانِ النزاعاتِ والفتنَ، مِنْ أجلِ ذلك حذَّرَ منهما الشرعُ الحنيفُ أشدَّ التحذيرِ، وأنكرَ عَلَى مُتعاطِيهما أعظمَ النكيرِ، وصوَّرَ المغتابَ بأبشعِ صورةٍ حيثُ قالَ جلَّ جلالُه: { وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ } { الحجرات:12 } ، فالسكوتُ عنِ القبيحِ وما لا خيرَ فيهِ مِنْ علاماتِ الإيمانِ، فعنْ أبي هريرةَ - رضي الله عنه - عَنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:"مَنْ كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فَلْيقلْ خيرًا أوْ لِيَصْمُتْ" [متفقٌ عليه] ، وقَدْ بيَّنَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - معنَى الغِيبَةِ أوضحَ بيانٍ حينَ سألَ الصحابةَ:"أتدرونَ ما الغيبةُ؟"قالوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ. قالَ:"ذكرُكَ أخاكَ بما يكرَهُ"قيلَ: أفرأيتَ إنْ كانَ في أخي ما أقولُ ؟ قالَ:"إنْ كانَ فيهِ ما تقولُ فقدِ اغتبتَهُ، وإنْ لم يكنْ فيهِ ما تقولُ فقَدْ بَهتَّهُ" [أخرجَه مسلمٌ مِنْ حديثِ أبي هريرةَ - رضي الله عنه -] .
…فالغيبةُ- إذًا- أنْ تذكرَ أخاكَ المسلمَ وهو غائبٌ بما يكرَهُ في بدنِه أو خَلْقِه أوْ خُلقِه أوْ مالِه أوْ ثوبِه أوْ مِشْيَتِهِ أو سيارتِهِ، ذِكْرُ ذلِكَ بالإشارةِ أوِ الكتابةِ أوِ الحركةِ كلُّه سواءٌ.