أوصيكمْ ونفسي بتقوى اللهِ تعالى، فإنَّها مِنْ أكبرِ نِعَمِهِ عليكمْ، حيثُ حَفِظَ عليكمْ هذا الدينَ برجالِهِ المخلصينَ، وبعلمائِهِ العاملينَ، الذينَ كانوا أئمةً أعلامًا يُهتدى بهم فيِ الدِّينِ، وأنوارًا تتجلَّى بهمْ غياهِبُ الظُّلمةِ، وأقطابًا تدورُ عليهمْ معارفُ الأمَّةِ، لأنّهم السِّراجُ المنيرُ الذي يحولُ بين الدِّينِ وبينَ الأمورِ المدْلهَمَّةِ، وهمْ ورثَةُ الأنبياءِ في أُمَمهِمْ، وأُمناؤُهُم على دينِهم، فإنَّ الأنبياءَ لم يُوَرِّثوا الدراهمَ ولا الدنانيرَ، وإنما وَرَّثُوا العلمَ الذي مَنْ أخذَ بهٍ فقدْ أَخَذَ بالحظِّ الوفيرِ.
ويكفيِ العلماءَ درجةً سَنِيَّةً، ومنزلةً عليَّةً: أنَّ اللهَ تعالى قَرَنَ الشّهادةَ لنفسِهِ بالتوحيدِ؛ بشهادَةِ الملائكةِ وأولي العِلمِ السّديدِ، كمَا قال تعالى: { شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًَا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } { آل عمران:18 } .
فهُمْ شهداءَُُ اللهِ في الأرضِ بالحقِّ، الناطقونَ بتوحيدِهِ بالصِّدْقِ، وَقَدْ قالَ الإمامُ الحَسَنُ البصريُّ رحَمِهُ اللهُ تعالى: العالمُ مِنْ عبادِ اللهِ: مَنْ أحلَّ الحلالَ، وحرَّمَ الحرامَ، وخَشِيَ الرَّحمنَ بالغيبِ، ثَمَّ قَرَأَ: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء } { فاطر:28 } .ولهذا تكاثَرَتِ النصُّوصُ في فَضْلِ العلمِ وأهلِهِ، الذينَ هم أهلُ خشيةِ اللهِ، فقالَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"مَنْ يُردِ اللهُ به خيرًا يُفَقّهْهُ في الدينِ" [أخرجَهُ البخاريُّ مِنْ حديثِ معاويةَ - رضي الله عنهم -] .
أيُّها المسلمونَ: