عباد وعنده الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، فلما رأى الأستاذ قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء، فقال الأستاذ: سبحان من لا يجرى في ملكه إلا ما يشاء، فقال عبد الجبار: أفيريد ربنا أن يعصى؟ فقال الأستاذ: أفيعصى ربنا كرها، فقال عبد الجبار: أرأيت إن منعني الهدى وقضى علي بالردى، أحسن إلى أم أساء، فقال الأستاذ: إن منعك ما هو لك فقد أساء وإن منعك ما هو له فهو يختص برحمته من يشاء.
[173] واختلف العلماء في جواز نسبة فعل الشرور والقبائح إليه تعالى، والراجح جواز ذلك في مقام التعليم لا في غيره، وهذا الخلاف جار أيضا في نسبة الأمور الخسيسة إليه تعالى، والأصح الجواز في مقام التعليم لا في غيره، فلا يجوز أن يقال: الله خالق القردة والخنازير، وسبحان من رزق الهدهد ومن دبب الشوك، إن لم يكن في مقام التعليم. والدليل على وجوب الإرادة له تعالى ان تقول: الله صانع للعالم بالاختيار، وكل من كان كذلك تجب له الإرادة، فالله تجب له الإرادة وأيضا فقد اتفق كل على إطلاق القول بأنه تعالى مريد، وشاع ذلك في كلامه وكلام أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، ولا يفهم من قولنا: مريد بحسب اللغة إلا ذات ثبت لها الإرادة، إذ لا يتعقل مريد بلا إرادة، وإن نازع في ذلك المعتزلة.
[174] قوله: (وغايرت أمرا) أي خالفت وباينت الإرادة أمرا، بمعنى أنها ليست عينه ولا مستلزمة له، فقد يريد ويأمر كإيمان من علم الله منهم الإيمان، فإنه تعالى أراده منهم وأمرهم به. وقد لا يريد ولا يأمر كالكفر من هؤلاء، فإنه تعالى لم يرده منهم ولم يأمرهم به. وقد يريد ولا يأمر كالكفر الواقع ممن علم الله عدم إيمانهم، وكالمعاصي فإنه أراد ذلك ولم يأمر به. وقد يأمر ولا يريد كإيمان هؤلاء، فإنه أمرهم به ولم يرده منهم، وإنما أمرهم به مع كونه لم يرده منهم لحكمة يعلمها {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء: 23] فالأقسام أربعة. وغرض المصنف بذلك الرد على من زعم من المعتزلة أن إرادته تعالى لفعل غيره أمره به، والمراد الأمر النفسي لا اللفظي، لأن مغايرتها للأمر اللفظي في غاية الظهور فليس فيه خلاف، وإنما الخلاف في الأمر النفسي وهو اقتضاء أي طلب الفعل الذي ليس بكف أي ترك، أو الفعل الذي هو كف إذا كان مدلولا عليه