141 -من الرّجيم ثم نفسي والهوى ... فمن يمل لهؤلاء قد غوى [874 - 879]
[874] قوله: (من الرجيم) أي من الوقوع في مكايد الشيطان. والرجيم بمعنى المرجوم، أي المرود عن رحمة الله تعالى، أو بمعنى الراجم للناس بوسوسته، فـ (رجيم) فعيل بمعنى مفعول أو فاعل.
[875] والمراد بالشيطان الرجيم: ما يشمل إبليس وأعوانه وهم أولاده من ظهره، فإنه لما أهبط من الجنة لاط بنفسه لكونه لا زوجة له فباض خمس بيضات فكانت أصل ذريته، فهو أول من لاط، كما روي عنه صلى الله عليه وسلم وهو أبو الشياطين، كما أن آدم أبو الإنس، والعداوة بين الثقلين - أعني الجن والإنس - فرع العداوة بين الأبوين. قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6] أي في عقائدكم وأقوالكم وأفعالكم، وكونوا على حذر منه في جميع أحوالكم.
[876] قوله: (ثم نفسي) أي وأرجو الله في الخلاص من مكايد نفسي التي هي أشد من الشيطان في الكيد، ولذلك قال بعضهم:
توق نفسك لا تأمن غوائلها ... فالنفس أخبث من سبعين شيطانا
[877] أحوال النفس
ولمراد بالنفس هنا: الأمارة، وهي التي تأمر بالسوء ولا تأمر بالخير إلا نادرا، بخلاف اللوامة: وهي التي تغلب صاحبها ثم ترجع عليه باللوم على ما وقع منه لكونها أذعنت للحق بسبب المجاهدة، والملهمة: وهي التي ألهمت فجورها وتقواها بسبب المجاهدة، والمطمئنة: وهيي التي اطمأنت إلى مكارم الأخلاق، والراضية: وهي التي رضيت بالله ربا من غير منازعة باطنية بسبب المجاهدة، والمرضية: وهي التي تجلى الله عليها بالرضا والعفو عما مضى، والكاملة: وهي التي صارت الكمالات لها طبعا وسجية، ومع ذلك تترقى في الكمال، ثم بعد كمال النفس لا يجوز للشخص أن يتصدى للإرشاد إلا بإذن صريح، لكن الوقت قد تأخر فقالّ من يتنبه من غفلته ويصدق في رغبته. فعلى العاقل الجد والاجتهاد حتى يسير في طريق الرشاد.
[878] قوله: (والهوى) أي وأرجو الله في الخلاص من الهوى، وهو بالقصر: ميل النفس إلى مرغوبها ولو كان فيه هلاكها، وإذا أطلق انصرف إلى الميل إلى خلاف الحق غالبا، نحو {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى} [ص: 26] . وقد يستعمل في الميل للحق كما في قول السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها: (( لا أرى ربك إلا يسارع في هواك ) )