ألمْ يأنِ للغافلينَ في هذهِ الحياةِ أنْ يُدْرِكوا حقيقتَها، فهِيَ كَدْحٌ وعَناء، ونَعِيمها ابتلاءٌ، جديدُها يَبْلَى، ومُلْكُها يفنَى، ونحنُ معَ ذلِكَ غافلونَ، كأنَّ الموتَ فيها علَى غيرِنا كُتِبَ، وكأنَّ الحقَّ فيها علَى غيرِنا وجَبَ، وكأنَّ الذي نُشيِّعُ إلى القبورِ سَفْرٌ عمَّا قليلٍ إلينا راجعونَ، لقَدْ كانَ سلفُكمُ الصالِحُ علَى غيرِ هذهِ الحالِ، مَعَ قوَّةِ إيمانِهم وتبشيرِهم بالجنَّةِ، يقولُ الحسنُ البصرِيُّ رحِمَهُ اللهُ:"أدركتُ أقوامًا لا يَفْرحونَ بشيءٍ مِنَ الدنيا أُوتُوه، ولا يأسفونَ علَى شيءٍ مِنْها فاتَهم، ولقَدْ كانَتِ الدنيا أهونَ عليهِم مِنَ الترابِ الذي يمشونَ عليهِ"، وكانَ أحدُهم إذا بلغَ أربعينَ سنةً طوَى فِراشَه، لا ينامُ مِنَ الليلِ إلا قليلًا، يُصَلِّي ويُسبِّحُ ويَستغفرُ، لِيستدرِكَ ما مضَى مِنَ العمرِ، ولِيسَتعدَّ لِما أقبلَ مِنَ الأهوالِ والغِيَرِ، حتىَّ إنَّهم لَيَصدقُ فِيهم قولُ القائلِ:
إنَّ للهِ عِبادًا فُطَنا … طَلَّقُوا الدُّنيا وخافُوا الفِتَنا
نَظَرُوا فِيها فلمَّا عَلِمُوا … … أنَّها ليسَتْ لِحَيٍّ سَكَنا
جعلوها لُجَّةً واتَّخذوا … … صَالحَ الأعمالِ فِيها سُفُنَا
بارَكَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ، ونفعنِي وإيَّاكم بما فيه مِنَ الهُدَى والبيانِ، أقولُ ما تسمعونَ وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولسائِرِ المسلمينَ فاستغفروه إنَّه هوَ الغفورُ الرحيمُ.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وليُّ المؤمنينَ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه الصادِقُ الأمينُ، صلَّى اللهُ وسلَّمَ عليهِ وعلَى آلهِ وصحبِه الطيِّبينَ الطاهرِينَ، وعلَى تابِعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ.
أمَّا بعدُ: