فاتقوا اللهَ جلَّ وعلاَ، واعلموا أنَّه معَ هذهِ الصفاتِ السيئةِ للدُّنيا، إلاّ أنَّها فرصةٌ ثمينةٌ، ومزرعَةٌ للآخرةِ نفيسةٌ، فهِيَ مَوْسِمٌ للطاعاتِ، وزمَنٌ للعباداتِ، وميدانٌ للتنافُسِ في الصالحاتِ، فيها يتزوَّدُ المسلمُ للآخرةِ، ويعملُ لِلْباقيةِ، فإنَّ الدُّنيا دارُ صدقٍ لمِنْ صَدَقَها، ودارُ نجاةٍ لِمنْ فَهِمَ عَنْها، ودارُ غِنىً لِمنْ تزوَّدَ مِنْها، فَعنِ ابنِ عباسٍ رضِيَ اللهُ عَنْهما قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لرَجُلٍ وهوَ يعِظُه:"اغتنمْ خمسًا قبلَ خمسٍ: شبابَكَ قبلَ هَرَمِكَ، وصحتَكَ قبلَ سقَمِك، وغِنَاكَ قبلَ فقرِكَ، وفراغَكَ قبلَ شَغْلِكَ، وحياتَكَ قبلَ موتِكَ" [ أخرجَه الحاكمُ] .
إخوةَ الإسلامِ:
وفي توديعِ عامٍ واستقبالِ آخرَ تعظمُ مسؤوليةُ المسلمِ في مُحاسبَةِ نفسِه، فها نحنُ اليومَ نعيشُ آخِرَ هذا العامِ الذي تصرَّمَتْ أيامُه، وانقضَتْ لياليِه، وواللهِ لكأنِّي بالأمسِ القريبِ حينَ دخلَ هذا العامُ، وها هوَ ينتهِي وكأنَّه ما كانَ، وهكَذا الدُّنيا، وفي هذا عبادَ اللهِ تذكيرٌ بانقضاءِ الآجالِ، وانتهاءِ الأعمارِ، والانتقالِ إلى الدارِ الآخرةِ حيثُ الجزاءُ والحسابُ، والمنُصْرَفُ إمَّا إلى جنَّةٍ وإمَّا إلى نارٍ، وكم يفرحُ المَرْءُ بذهابِ اللياليِ والأيامِ، لِرغبةٍ أوْ مطمعٍ!، ولكنَّه معَ ذلك يجبُ ألاَّ ينسَى أنَّ ذلك يُنْقِصُ عُمرَه، ويُدْنِي أجلَه، وأنَّها مراحِلُ يقطعُها مِنْ سَفَرِه، وخُطوَاتٌ يمشِيها إلى قبرِه، فهلْ يفرحُ بِذلكَ إلاَّ مَنِ استعدَّ لِلقُدومِ علَى اللهِ بعملٍ صالحٍ يرضَى اللهُ عنْهُ.