وقد جاء الإٍسلام لما بلغت البشرية رشدها العقلي، فكانت تشريعاته الصورة المتفقة مع فطرة الإنسان فلم يحرم عليه شيئًا من الطيبات، ولم يمنع عنه مطالب الفطرة، ولم يضيق عليه دائرة الحلال، بل جعل الأصل في الأشياء الإباحة، فللإنسان أن يستمتع بكل نعم الله تعالى إلا ما انزل فيه نص صريح بأنه حرام، وتفضل الله عليه بتسخير ما في السموات والأرض لينتفع بها دون مقابل، ويستمتع بما فيها من نعم {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان:20] .
واتسعت دائرة الحلال في الإسلام، وضاقت دائرة الحرام، قال (صلي الله هليه وسلم) :"إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها" [رواه الدارقطني] . [ نزهة المتقين ] .
الإخوة المسلمون:
لقد حدد الإسلام السلطة التي تملك التحريم والتحليل، وهي لله تعالى وحده، وقد نعى القرآن على أهل الكتاب [اليهود والنصارى] أنهم جعلوا التحريم والتحليل في أيدي الرهبان والأحبار {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] . ولما قرأ الرسول (صلي الله عليهوسلم) هذه الآيات
على عدي بن حاتم وكان نصرانيًا قبل أن يسلم قال عدي: يا رسول الله إنهم لم يعبدوهم، فقال:"بلى إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم" [رواه الترمذي]
وقد خص الإسلام المحرمين للحلال بالزجر الشديد لأنهم يضيقون على الناس بتشددهم، مع أن رسالة الإسلام رسالة سمحة.