…ولعلَّ أعظمَ ما يدفَعُ الإنسانَ إلى الوقوعِ في الربا ضَعْفُ إيمانِهِ باللهِ عزَّ وجلَّ، إذْ إنَّ الإيمانَ الصادِقَ يملأُ قلبَ صاحِبهِ قَناعَةً بما قَسَمَ اللهُ، وخوفًا مِنْ سُخْطِ اللهِ.
…قالَ اللهُ سبحانَه: { وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ } { التغابن:11 } ، وإذا خَوَى قلبُ العبدِ مِنَ الإيمانِ اندفَعَ إلى طَرْقِ أبوابِ الحرامِ غَيْرَ آبهٍ بعظيمِ جُرْمِهِ، ولا مُكْتَرِثٍ بشناعَةِ فِعْلِهِ. ومِمَّا يدفَعُهُ إلى الوقوعِ في الربا - كذلكَ- ضَعْفُ يَقينِهِ بالقِسْمَةِ الإلهيَّةِ العادِلَةِ، فإنَّ اللهَ- عزَّ وجلَّ- خلَقَ فسَوَّى وقدَّرَ فهدَى وقَسَمَ كلَّ شيءٍ بحِكَمةٍ ومِقْدارٍ، كما قالَ سبحانَه وتعالَى: { نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } { الزخرف: 32 } ، وقدْ فُِرغَ مِنْ أمرينِ: الرزْقُ والأجَلُ؛ فالرزْقُ مَقْسومٌ، والأجَلُ مَحْتومٌ، قالَ اللهُ جلَّ جلالُه: { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } { الأعراف: 34 } ، ورِزْقُ اللهِ لا يَجْلِبُهُ حِرْصُ حريصٍ، ولا يَمْنعُهُ كُرْهُ كارِهٍ؛ بلْ قالَ اللهُ تعالىَ في كتابِهِ: { وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ*فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ } { الذاريات:22- 23 } ، وفي الحديثِ الشريفِ:"إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي - أيْ في قلبِه أوْ عقْلِه - أنَّ نَفْسًا لنْ تموتَ حتىَّ تستكمِلَ أجَلَها وتستَوْعِبَ رِزْقَهَا" [أخرجَهُ الحاكِمُ وأبو نُعَيْمٍ واللفظُ له مِنْ حديثِ أبي أُمامَةَ - رضي الله عنه -] ، ورِزْقُ المرءِ يطلُبُه طلَبا ًشديدا ًكما روَى أبو الدَّرْداءِ - رضي الله عنه - عَنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:"إنَّ الرزْقَ لَيَطْلُبُ العبدَ أكثرَ ممَّا"