فانْظُروا إلى العَدْلِ الذي لا يُجَامَلُ فيهِ قَوِيٌّ ولا نَسِيبٌ، ولا يُحابَى فيهِ بَعيدٌ أوْ قريبٌ. ولمَّا تَوَلَّى أبو بكرٍ الصدِّيقُ - رضي الله عنه - الخلافَةَ بعدَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أعْلَنَها مُدَوِّيَةً حِينَ قالَ وهوَ يخاطِبُ المسلمينَ: أَلا إنَّ أقْواكُمْ عِنْدِي الضعيفُ حتَّى آخُذَ الحقَّ له، وأضعفَكُمْ عِنْدَي القوِيُّ حتَّى آخُذَ الحَقَّ مِنْه. وللهِ درُّ عمرَ الفاروقِ - رضي الله عنه - حِينَما أرسَلَ إلى أبي موسَى الأشعريِّ - رضي الله عنه - يقولُ له: سَوِّ بينَ الناسِ في وَجْهِكَ وعَدْلِكَ ومَجْلِسِكَ؛ حتَّى لا يَطْمَعَ شَريفٌ في حَيْفِكَ، ولا يَيْأَسَ ضعيفٌ مِنْ عَدْلِكَ.
عِبادَ اللهِ:
وهلْ نالَتْ هذهِ الأُمَّةُ شرَفَ الرِّيادَةِ والسِّيادَةِ، وحَظِيَتْ بكَوْنِها خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للناسِ إلاَّ بالعَدْلِ والعادِِلِينَ، حِينَ عَدَلَتْ في كُلِّ شئٍ، وأوَّلُهُ وأهَمُّهُ، وأوْجَبُهُ وأقْوَمُهُ: توحيدُ اللهِ، فأقامَتِ التوحيدَ، وأخْلَصَتِ العِبادَةَ للعزيزِ الحميدِ.
ولقَدْ أمرَ اللهُ ـ عزَّ وجلَّ ـ المسلمينَ بإقامَةِ العَدْلِ وأداءِ الأمانَةِ والحُكْمِ بيْنَ الناسِ بالقِسْطاسِ المستقيمِ فسَمِعُوا وأطاعُوا. قالَ اللهُ تعالَى: { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ } { النساء:58 } ، وإنَّما يخالِطُ العَدْلُ شَغَافَ القلوبِ، ويُرْضِي عَلاَّمَ الغيوبِ؛ إذا كانَ أوَّلًا عَلَى النَّفْسِ والوالِدَيْنِ والأَقْرَبينَ، كمَا قالَ ربُّ العالمينَ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ } { النساء:135 } .
إخوةَ الإسلامِ والإيمانِ: