نَعَمْ عبادَ اللهِ! رفعَ المصطفَى - صلى الله عليه وسلم - يدَهُ وشَخَصَ بَصَرُه إلى السماءِ، وتحركَتْ شَفَتاهُ، وأصْغَتْ إليه عائشةُ وهوَ يقولُ:"اللهمَّ اغفرْ لي وارحمْنِي وألحِقْنِي بالرفيقِ الأعلَى"، ثم مالَتْ يدُه ولَحِقَ بالرفيقِ الأعلَى، ضُحَى يومِ الإثنينِ الثانِيَ عشَرَ مِنْ ربيعٍ الأوَّلِ سنَةَ إحدَى عَشْرَةَ للهجرةِ، صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليه، وجزاهُ عنِ الإسلامِ والمسلمينَ خَيرَ ما جَزَى نبيًّا عَنْ أُمَّتِهِ، علَى صبرِهِ وجهادِهِ وتبليغِهِ ودعوتِهِ. بلَغَ الخبرُ الصحابةَ - رضي الله عنهم - فكانَ كالصاعقةِ في نفوسِهم، أظلَمَتْ عليهِمُ الدُّنيا، وضاقَتْ عليهِمُ الأرضُ بما رَحُبَتْ، واستوحَشَتْ لهم المدينةُ فما هِيَ بالتي يَعرِفونَ، يقولُ أنسُ بنُ مالكٍ - رضي الله عنه:"فَشَهِدتُّه يومَ دخلَ المدينةَ فما رأيتُ يومًا قَطُّ كانَ أحْسَنَ ولا أضْوَأَ مِنْ يومٍ دخلَ علينا فيه، وشهدتُّه يومَ ماتَ فما رأيتُ يومًا كانَ أقبحَ ولا أظلمَ مِنْ يومٍ ماتَ فيه - صلى الله عليه وسلم -" [أخرجَه الإمامُ أحمدُ] .
كذا فَلْيَجِلَّ الخَطْبُ وَلْيَفْدَحِ الأمْرُ فليس لعينٍ لم يَفِضْ ماؤُها عُذْرُ
ثَوَى طاهِرُ الأردَانِ، لم تَبْقَ بُقْعَةٌ غَداةَ ثَوَى إلاّ اشتَهَتْ أنَّها قَبْرُ
باركَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ، ونفعنِي وإيَّاكم بما فيه مِنَ الهُدَى والبيانِ.
أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ولسائرِ المسلمينَ فاستغفِرُوهُ إنَّه هوَ الغفورُ المنَّانُ.
الخطبة الثانية