إنَّ اللهَ سبحانَه وهَبَ لكم جارِحَةً كُبرَى، وآلةً عُظْمَى، لها مالها مِنَ الفوائِدِ العِظامِ، والغاياتِ الجِسامِ، لكنَّها معَ ذلكَ تُمثِّلُ الخطَرَ الفعَّالَ، علَى الإنسانِ في الحالِ والمآلِ، تلكَ الجارحةُ هِيَ اللسانُ، فعَنْ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - عَنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قالَ:"إذا أصبحَ ابنُ آدمَ فإنَّ الأعضاءَ كُلَّها تُكَقِّرُ اللسانَ فتقولُ: اتقِ اللهَ فينا فإنَّما نحنُ بكَ، فإنِ استقَمْتَ استَقَمْنا، وإنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنا" [أخرجَهُ الترمذيُّ] ، وعَنْ مُعاذِ بنِ جَبَلٍ - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ له:"أَلاَ أُخْبِرُكَ برَأْسِ الأَمْرِ كُلِّهِ وعَمودِهِ وذِرْوَةِ سَنامِهِ؟"قلْتُ: بلَى يا نبيَّ اللهِ، فأخَذَ بلسانِهِ قالَ:"كُفَّ عليكَ هذا"فقلْتُ: يانبيَّ اللهِ وإنَّا لَمُؤاخَذونَ مِمَّا نتكلَّمُ بهِ؟ فقالَ:"ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا معاذُ، وهَلْ يَكَُبُّ الناسَ في النارِ علَى وُجوهِهم أوْ علَى مناخِرِهم إلاّ حصائدُ ألسنَتِهم" [أخرجَهُ الترمذيُّ] ، وبهذا يُبيِّنُ لنا - صلى الله عليه وسلم -، أنَّ مَنْ أحْكَمَ زِمامَ لِسانِهِ غايةَ الإحْكامِ، وأمسَكَهُ لِئَلا يَقَعَ في الخَطايا والآثامِ، فهوَ حَرِيٌّ بدارِ الرِّضْوانِ، بعيدٌ عَنْ سَخَطِ الديَّانِ، مُجْتَنِبٌ لمسالِكِ الشيطانِ.
إنْ كانَ يُعْجِبُكَ السكوتُ فإنَّهُ قَدْ كانَ يُعْجِبُ قَبْلَكَ الأخْيارا
ما إنْ نَدِمْتَ علَى سُكوتٍ مَرَّةً فلقَدْ نَدِمْتَ علَى الكلامِ مِرارا
إنَّ السُّكوتَ سلامةٌ فلَرُبَّما زرَعَ الكلامُ عَداوَةً وضِرارا
فكَمْ أثارَ مِنْ عَداوَةٍ!، وكَمْ أعَقَبَ مِنْ شَقاوَةٍ!، وكم أفْسَدَ شَمْلَ الأحِبَّةِ!، وكمْ أهانَ صاحِبَهُ !، وأوجَبَ له النارَ، وحَمَّلَهُ مالا يُطيقُ مِنَ الآثامِ والأوْزارِ!.
إخْوَةَ الإسلامِ: