إنَّ رُوحَ الصلاةِ وَلُبَّها هوَ الخشوعُ، وحضورُ القَلْبِ والإِخْباتُ والخُضوعُ، كما قِيلَ:"صَلاةٌ بلا خُشوعٍ جُثَّةٌ هامِدَةٌ بلا رُوحٍ"، وإذا خشَعَ القلبُ خَشَعَتِ الجوارِحُ والحَواسُّ، وقَدْ كانَ مِنْ ذَكْرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في رُكوعِهِ:"خَشَعَ لكَ سَمْعِي وبَصَرِي ومُخِّي وعَظْمِي وعَصَبِي" [أخرجَهُ مسلمٌ] مِنْ حديثِ عَلِيِّ بنِ أبي طالبٍ - رضي الله عنه -، وفي روايةِ الإمامِ أحمدَ:"وما اسْتَقَلَّتْ بهِ قَدَمِي للهِ ربِّ العالمينَ"، وحِينَ رَأَى ابنُ المُسَيَّبِ رَجُلًا يْعبَثُ في صلاتِهِ قالَ:"لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذا لَخَشَعَتْ جَوارِحُهُ"، وعَنْ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ - رضي الله عنه - قالَ:سمعتُ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ:"خَمْسُ صَلَواتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللهُ تعالَى، مَنْ أحْسَنَ وُضوءَهُنَّ، وصَلَّاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ، وأَتَمَّ رُكوعَهُنَّ وخُشَوعَهُنَّ، كانَ له علَى اللهِ عَهْدٌ أنْ يَغْفِرَ له، ومَنْ لَمْ يَفْعَلْ فليسَ له علَى اللهِ عَهْدٌ، إنْ شاءَ غَفَرَ له، وإن شاءَ عَذَّبَهُ" [أخرجَه أبو داودَ] .
أيَُّها الأحِبَّةُ في اللهِ:
لقَدْ ضرَبَ أسلافُكُم أرْوَعَ الأمْثِلَةِ في الخُشوعِ، فكانوا في صَلاتِهم تَسْكُنُ جَوارِحُهم وتَنْهَمِرُ مِنْهمُ الدُّموعُ، فهَذا ابنُ الزُّبَيْرِ كانَ إذا قامَ في الصلاةِ كأنَّهُ عُودُ شَجَرةٍ مِنَ الخُشوعِ، وكانَ إذا سَجَدَ نَزَلَتِ العصافِِيرُ علَى ظَهْرِهِ، لا تَحْسَبُهُ إلاّ جِذْعَ حائطٍ.