إن الحج واجب على كل من كان مستطيعًا ومن الاستطاعة أن يجد راحلة تصلح لمثله, ويجد من الزاد ما يكفيه لذهابه ورجوعه, وأن تكون نفقته حلالًا خالصةً من الشُبَه, فإن الله تعالي طيب لا يقبل إلا طيبًا. فإن خالف وحج بمال مغصوب, أو كان من ربًا ونحو ذلك, فحجه غير مبرور, ومما قيل في ذلك:
إذا حججت بمال أصله سحت…فما حججت ولكن حجت العير
لا يقبل الله إلا كل صالحة…ما كل من حج بيت الله مبرور
وأن يكون الزاد فاضلًا عن نفقه من تلزمه نفقتهم وكسوتهم, وعن دين كان عليه, وأن يكون الطريق آمنًا, فمن توفرت له هذه الأمور وجب عليه السعي إلي الحج, أخرج الإمام أحمد وابن ماجة بإسناد حسن عن ابن عباس - رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله (صلي الله عليه وسلم) :"تعجلوا الحج -يعني الفريضة-, فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له".
أيها المؤمنون:
إن في الحج منافع عظيمة دينية ودنيوية, قال تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحج: 28] ومن تلك المنافع: تطهير النفس, وتقوية الإيمان, وتجديد العهد مع الله, والتعود علي الصبر, وتحمل المتاعب, وتذكر الوقوف بين يدي الله سبحانه, وطلب المغفرة, ومناجاة رب العالمين في الأماكن التي وقف فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وصحبه الكرام, وتقوية الأخوة والرابطة بين المسلمين على اختلاف ألوانهم وأجناسهم ولغاتهم, والمذاكرة فيما بينهم, فيتعارفون ويتآلفون حول أعز بيت, وأقدس مطاف, فما أروع هذا البيت, وما أروع تأثيره في تجميع الأمم والشعوب, تحت راية"لا إله إلا الله, محمد رسول الله", فطوبى لعبد أجاب داعي الله, وقصد بيت الله الحرام في تلك البقاع الطاهرة, وقام بهذه الشعائر المقدسة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين, فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية