كانَ لِسَلَفِنا الصَّالِحِ في هذِهِ الأيَّامِ اجتهادٌ خاصٌّ يَليقُ بمكانَتِها وفَضْلِها، وكانُوا يَفْعَلونَ أشياءَ كثيرةً مِنَ الصَّالِحاتِ بُغْيَةَ أنْ يتَأسَّى بهم غَيْرُهُم، فيكونَ لَهم أَجْرُ السَّبْقِ وأجْرُ مَنْ تَعَلَّمَ مِنْهم، قالَ الإمامُ البخاريُّ - رحِمَهُ اللهُ-:"وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا، وَكَبَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ خَلْفَ النَّافِلَةِ".
فأَكْثِرُوا-رحِمَكُمُ اللهُ- فِيها مِنَ التَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ وقِراءَةِ القُرْآنِ، وَصِلُوا أرْحامَكُم، وَوَسِّعُوا صَدَقاتِكم، وفَرِّجُوا الكُرُباتِ، وَاقْضُوا الحاجاتِ، وَامْشُوا في الشَّفاعاتِ وسائِرِ أنْواعِ الطَّاعاتِ.
وَاعْلَمُوا -رحِمَكُمُ اللهُ- أنَّ الصِّيامَ في هذِهِ الأيَّامِ مِنْ رَغائِبِ الخَيْرِ، وهوَ جُنَّةٌ وَوِقاءٌ مِنَ الشَّرِّ، وهوَ كما جاءَ في حديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"الصِّيَامُ جُنَّةٌ وَحِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ النَّارِ"أخرجَه أحمدُ، فاجْتَهِدوا في الصِّيامِ وتابِعُوا هذِهِ الأيَّامَ المفضَّلَةَ بهِ؛ فإنَّها مَغْنَمُكُم ورِبْحُكُمْ، ولا تَكُونوا مِنَ الغافِلينَ اللَّاهِينَ، وَاعْلَمُوا أنَّ أفْضَلَهُ وَآكَدَهُ صِيامُ يَوْمِ عَرَفَةَ لغَيْرِ الحاجِّ، فقَدْ أخرَجَ مسلمٌ عَنْ أبي قَتَادَةَ - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:"صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ"؛ فَلا يَفُوتَنَّكُم خَيْرُ هَذا اليومِ وبَرَكَتُهُ، فإنَّ المُوَفَّقَ مَنِ اغْتَنَمَهُ وَالمحْرُومَ مَنْ حُرِمَهُ.