يقولُ بكر بنُ سليمان الصوّافُ: دخلْنا علَى مالِك-رحمه الله- في العَشِيّة التي قُبِضَ فِيهاَ فقُلْنَا: يَا أَبا عبدِ اللهِ كيف تَجِدُكَ؟ قال:"مَا أَدِرْي مَا أَقُولُ لَكُمْ إِلاَّ إنَّكُمْ سَتُعَايِنُونَ غَدًا مِنْ عبْد اللهِِ مَا لَمْ يَكُنْ لَكُمْ فيِ حِسَابٍ"قَالَ:مَا بَرِحْنَا حَتَّى أَغْمَضْنَاهُ،ويقولُ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ- رحمهما اللهُ-:"لما حضرتْ أبي الوفاةُ جلستُ عنْدَه، فجَعَلَ يعرَقُ ثم يُفِيقُ ثم يَفْتَحُ عَيْنَيْهِ، ويقول بِيَدِهِ: لَا. بَعْدُ،لاَ.بَعْدُ، ثلاثَ مرّاتٍ، ففعلَ هذاَ مرّةً ثانيةً وثالثةً، فلماَّ كانتْ الثالثةَ، قلتُ له:يا أبتِ إنّك قلتَ كذَا وكذَا، فقال: مَا تَدْرِي، هذا إبليسُ قائمٌ حذائِي عاضٌّ على أنامِلِهِ، يقولُ: فُتَّنِي يا أحمدُ، وأنا أقولُ: لاَ بعدُ حتىَّ أموتَ".
أيها الإخوةُ المؤمنونَ:
ما أحوجَ المرءَ، وهُوَ يعيشُ زمانَ الغربةِ، لأنْ يتعرفَ على أسبابِ الثباتِ، التي تُثَبِّتُهُ علَى دينِ اللهِ حتىَّ المماتِ، ويتأكدُ ذلكَ عندَ فسادِ الزمانِ، وندرةِ الإخوانِ، وضعفِ الْمُعِينِ، وقِلةِ الناصرِ.