فهرس الكتاب

الصفحة 1563 من 2086

إنَّ الانطلاقَ إلى قِمَّةِ الإيمانِ يبدأُ مِنْ مُكاشَفَةِ النَّفْسِ بِذُنُوبِهَا وأخْطائِهَا، وحَرِيٌّ بالعَبْدِ أَنْ يَخْلُوَ إلى نفسِهِ ويحاكِمَهَا، حتَّى يَشْعُرَ إِبَّانَ مُحاَسَبَتِهِ نفسَهُ وكَأَنَّ شيئًا آخَرَ يُحاوِرُه، وطَرَفُ المحاوَرَةِ هوَ فِطْرَتُهُ النَّقِيَّةُ، وعَقْلُهُ الوَضَّاءُ، ونفْسُهُ اللّوَّامَةُ التي تُذَكِّرُهُ بما ارتَكَبَهُ مِنْ ذنوبٍ ومُوبِقاتٍ حتَّى يُحقَّقَ مَنْزِلَةَ التَّوْبَةِ، ويَصِلَ بذلكَ إلى الاطْمِئنانِ الرُّوحِيِّ { الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } { الرّعد:28 } ؛ فالنّفسُ اللاّئِمَةُ لِصاحِبِهَا وسيلةٌ عظيمةٌ لاكْتِشافِ الأخْطاءِ، والعَمَلِ على هَجْرِهَا والتَّوْبَةِ مِنْها؛ إِذِ الذُّنوبُ كالسُّمُومِ داخِلَ الجِسْمِ، ولنْ يجدَ المسلمُ طَعْمًا للرَّاحَةِ ما لَمْ يَطْرُدْها مِنْ داخِلِه؛ فكذلِكَ الذُّنوبُ!

مَعْشَرَ المسلمينَ:

كانَتْ مُشْكِلَةُ المشركينَ الأُولَى هِيَ صُعُوبَةُ تَصَوِّرِهم لجَمْعِ العِظامِ البالِيَةِ، الذَّاهِبَةِ في التُّرابِ، لإعِادَةِ بَعْثِ الإنسانِ حَيًّا، ولعلَّها لا تزالُ كذلكَ في بعضِ النُّفُوسِ إلى يَوْمِنَا هَذا! والقرآنُ يَرُدُّ علَى هذَا الحُسْبانِ الغافِلِ مُؤكِّدًا وُقُوعَه: { بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ } والبَنَانُ: طَرَفُ الأُصْبُعِ؛ فها هوَ ذا جَوابُ اللهِ تعالَى عَنِ اسْتِنْكارِ المشركينَ؛ بما هوَ أعظمُ مِن مُجَرَّدِ جَمْعِ العِظامِ، وهو تَسْوِيَةُ البَنَانِ، وتَرْكيبُهُ في مَوْضِعِهِ كما كانَ! وهيَ كِنايةٌ عَنْ إعادَةِ تَكْوِينِ الخَلْقِ بأدقِّ ما فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت