إنَّ هذاَ الإنسانَ يُريدُ أنْ يفْجُرَ، ولا يريدُ أنْ يَصُدَّه شيءٌ عَنْ فُجُورِهِ، ولا أنْ يَكونَ هُناكَ حِسابٌ عَلَيْهِ ولا عِقابٌ، ومِنْ ثَمَّ فهوَ يَسْتَبْعِدُ وقوعَ البَعْثِ، ويَسْتَغْرِبُ مَجِيءَ يومِ القيامَةِ: { بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ*يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ } .
قالَ بعضُ العُلَماءِ: كانَ أشْيَاخُنا يحاسِبونَ أنفسَهُمْ علَى ما يَتَكَلَّمونَ به وما يفعلُونَهُ، ويُقيِّدونَهُ في دَفْترٍ؛ فإذا كانَ بعدَ العشاءِ حاسَبُوا نُفُوسَهُمْ، وأحضرُوا دَفَاتِرَهُمْ، ونظروُا فيماَ صَدَر مِنْهمْ مِنْ قَوْلٍ وعَمَلٍ، وقابلوا كُلاًّ بما يَستحِقُّهُ؛ إنِ استحقَّ اسْتغفارًا اسَتْغفَروا، أوِ التَّوْبةَ تَابُوا، أوْ شُكْرًا شَكَرُوا، ثُمَّ يَنَامُونَ، وزادَ عليهمْ آخرونَ الخواطِرَ؛ فكانوا يُقَيِّدون ما حَدَّثُوا به أنفُسَهُمْ أَوْ هَمُّوا به، وحاسَبُوهَا عَلَيْهِ.
أيُّها المسلمونَ:
إنَّ قُدْرَةِ العَبْدِ المؤْمِنِ -بفضلِ اللهِ تعالَى وجمَيلِ كَرَمِهِ- عَلَى إِصْلاَحِ نَفْسِهِ؛ قُدْرَةٌ هائِلةٌ جِدًّا، وهذا هو السِّرُّ في تَكاثُرِ نُصوصِ الوَحْيِ عَلَى اْلأَمْرِ بالتَّوْبَةِ، قالَ اللهُ تعالَى: { تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا } { التحريم:8 } ، وقالَ أيضًا: { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } { النور:31 } ، وإنَّما يَسْهُلُ الرُّجوعُ إلى اللهِ تعالَى والتَّوْبَةُ إليهِ بِدَوَامِ مُحاسَبَةِ النَّفسِ وعَدَمِ تَرْكِها هَمَلًا.
عِبادَ اللهِ: