إنَّ لَوْمَ المؤمنِ نفسَهُ بينَ الْحِِينِ والآخَرِ يَهدِيهِ إلى أنْ يكْتَشِفَ ما في داخِلِهِ مِنَ الخيرَ وَالشَّرِّ، سيجدُ مِنْ دخائِلِهِ وَساوِسَ شيطانِيَّةً؛ كالحَمِيَّةِ وَالغُرُورِ وَالكِبْرِ والكَذِبِ والخَوْفِ مِنَ المستَقْبَلِ؛ القائِمِ علَى أساسِ عَدَمِ الثِّقَةِ في اللهِ سبحانَهُ وتعالَى، مِمَّا يدفعُهُ إلى تَعاَطِي اْلأَسْباَبِ المحرَّمَةِ لِجَلْبِ الرِّزْقِ؛ كالرِّبا وَالغِشِّ والاحْتِيَالِ، وكُلُّها تدفَعُهُ باتِّجاهِ الحِرْصِ وَالطَّمَعِ وتَناسِي رَحمةِ اللهِ ونِعْمَتِهِ وجميلِ عَطائِهِ ورِزْقِهِ؛ كما أنَّ المؤمنَ اللَّوَّامَ لنفسِهِ مِن جانِبٍ آخرَ؛ يَرَى خيرًا تَنْطَوِي عليهِ نفسُهُ؛ كقيامِهِ بما فُرِضَ علَيْهِ مِنَ الصَّلاةِ وَالزّكاةِ والصِّيامِ والحَجِّ، وبسببِ جِلْسَةِ اللَّوْمِ تلكَ يَثْبُتُ علَى الخيرِ ويزيدُ مِنْه، ويَرْتَدِعُ عَنِ الشَّرِّ ويَنْتَهِي عَنَه.
قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: { بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ } { القيامة:14-15 } وَالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ دَعْوَةُ العبدِ إلى مُحاكَمَة نَفْسِهِ في مَحْكَمَةِ الذَّاتِ وَالضَّميرِ قَبْلَ مَحْكَمَةِ يومِ القِيامةِ؛ يومَ لا تَنْفَعُ غَفْلَةٌ وَلا غَوَايَةٌ، وقَدْ كَتَبَ عمرُ بنُ الخطابِ - رضي الله عنه - إلى بعضِ عُمَّالِهِ، فكانَ في آخرِ كتابِهِ: «أنْ حاسِبْ نَفْسَكَ في الرَّخاءِ قَبْلَ حِسَابِ الشِّدَّةِ؛ فإنَّهُ مَنْ حاسَبَ نَفْسَهُ في الرَّخاءِ قبلَ حِسَابِ الشِّدَّةِ عادَ مَرْجِعُهُ إلى الرِّضَا وَالغِبْطَةِ، ومَنْ ألْهَتْهُ حياتُهُ وشَغَلَهُ هَواهُ عادَ مَرْجِعُهُ إلى النَّدامةِ وَالحَسْرَةِ؛ فتَذَكَّرْ ما تُوعَظُ بِه لكيْ تَنْتَهِيَ عمَّا يُنتَهَى عَنْه» رواهُ البَيْهقِيُّ في شُعَبِ الْإيمَانِ.