إنَّ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ تفْخَرُ بعُظَمائِهَا، وتَحْتَفِي بسيرةِ نُبَلَاِئهَا، يذكرونَ مآثِرَهُمْ، ويُسَطِّرُونَ مفاخِرَهُم، ويجعلونَ أقْوَالَهُمْ وأفعالَهُمْ مَنارًا يَهْتَدُونَ به، ومِنْهَاجا ًيسيرونَ عليه. وإنَّ سِيرةَ نبيِّنَا - صلى الله عليه وسلم - وهو خَلِيلُ الحقِّ وصَفْوَةُ الخَلْقِ - أطْهَرُ السِّيَرِ؛ حافلةٌ بِالدروسِ وَالعِبَرِ، ومليئةٌ بالأحْداثِ الجِسامِ والأخبارِ العِظامِ، إنَّها سيرةٌ تجمعُ هَدْيَ رسولٍ، ومَنْهَجَ نَبِيٍّ، وأُسلوبَ مُعَلِّمٍ، وحِكْمَةَ بَصيرٍ، وحُنْكَةَ قَائدٍ، ومنَاقِبَ مَاجِدٍ. ومِنْ تلكَ المناراتِ البيضاءِ، وَالأحداثِ الغَرِّاءِ التي حَوَّلَتْ وَجْهَ التاريخِ: حَدَثُ هِجْرَةِ المصطفَى - صلى الله عليه وسلم - مِنْ مكةَ المكرَّمَةِ إلى المدينةِ المنوَّرَةِ التي فَرَّقَ اللهُ فيها بينَ أوليائِهِ وأَعْدَائِهِ، وجَعَلَهَا مَبْدَأً لإعزازِ دِينهِ، ونصْرِ عَبْدِهِ ورسولِهِ، فَمِنْ مَعِينِهَا تُؤْخَذُ الدروسُ، وَمِنْ أحْدَاثِهَا تُسْتَلْهَمُ العِبَرُ.